جديد الأخبار
لماذا تشكل الصوفية تهديدا لأيديولوجية "داعش"؟
16/03/2017 [ 11:16 ]
الإضافة بتاريخ:
لماذا تشكل الصوفية تهديدا لأيديولوجية "داعش"؟

الكرامة برس- وكالات- يوم 16 شباط (فبراير) 2017، انفجرت قنبلة في حشد مجتمع عند ضريح وليّ صوفي، عثمان المروندي، في جنوب شرق الباكستان. وبعد ذلك بوقت قصير، ادعت ما تسمى "الدولة الإسلامية" المتشددة مسؤوليتها عن الهجوم.

وفي الآونة الأخيرة، كانت مثل هذه الهجمات تستهدف مجموعة متنوعة من المواقع والأفراد في باكستان. وقد تراوحت هذه الهجمات بين تفجير العام 2010 لضريح شيخ صوفي آخر، داتا غانج بخش، وبين مقتل مغنٍ صوفي شعبي عالمي، هو أمجد صبري، في العام 2016.

باعتباري باحثاً في التقاليد الإسلامية والهندوسية، أعربتُ عن تقديري منذ زمن طويل للأدوار المختلفة والمؤثرة التي يلعبها الصوفيون وأضرحتهم في مجتمعات جنوب آسيا. ومن منظوري، تذهب تداعيات مثل هذا العنف ضد الصوفية شوطاً أبعد كثيراً من مجرد عشرات الجثث المتناثرة حول الضريح المدمر وعائلات الضحايا المنكوبة في منطقة جغرافية واحدة.

يحتفي الكثير من المسلمين وغير المسلمين في جميع أنحاء العالم بالأولياء الصوفيين ويجتمعون معاً للعبادة في أضرحتهم. ومع ذلك، فإن هذه الممارسات لا تتفق مع الأيديولوجيات الإسلامية التي تتبناها الجماعات الأصولية المتعصبة مثل تنظيم "الدولة الإسلامية".

وفيما يلي بعض الأسباب التي تجعل هذه الجماعات ترى في الممارسات الصوفية تهديداً لها.

من هم الصوفية؟

تأتي أصول كلمة "صوفي" من كلمة "الصوف" العربية. وتحيل هذه الكلمة إلى الملابس المصنوعة من الصوف الخام غير المعالج التي كان يرتديها الزاهدون والنساك في غرب آسيا، وتشير بشكل عام إلى صفة مشتركة منسوبة إلى الصوفيين: التقشف.

وينظر المسلمون عادة إلى هذا التقشف على أنه ينبع من الورع الصادق الذي يجلب الصوفي إلى إقامة علاقة شخصية وثيقة مع الله، حين يعيش على غرار جوانب من حياة النبي محمد. وقد انطوى ذلك في كثير من الأحيان على ممارسة تركيز تأملي متجه إلى الداخل أكثر من الكثير من الأشكال الأخرى من الممارسة الإسلامية.

في بعض الحالات، تحدى الصوفيون الأعراف المعاصرة من أجل أن يصدموا جيرانهم المسلمين ويدفعوا بهم إلى حيوات أكثر غائية وقصداً من الناحية الدينية. وعلى سبيل المثال، يقال إن امرأة صوفية من القرن الثامن، والمعروفة شعبياً باسم رابعة العدوية، كانت تسير في أنحاء مدينتها، البصرة في العراق الحديث، وهي تحمل مشعلاً مضاءً في يد ودلواً من الماء في الأخرى. وعندما سُئلت عن السبب، أجابت بأنها تأمل في أن تحرق الجنة وتخمد نار جهنم، حتى يحب الناس الله من دون خوف من الثواب أو العقاب القادمين.

كما استخدم آخرون الشعر في سبيل التعبير عن ورعهم وأشواقهم الدينية. وعلى سبيل المثال، اعتمد الشاعر والقائد الصوفي الفارسي الشهير من القرن الثالث عشر، جلال الدين محمد الرومي، على ثيمات الحب والرغبة للتعبير عن التوق إلى إقامة علاقة قلبية صادقة مع الله. وقام آخرون، مثل داتا غانج بخش، وهو صوفي من القرن الحادي عشر، بكتابة منشورات فلسفية كثيفة، والتي استخدمت حججاً لاهوتية معقدة لتفسير المفاهيم الصوفية لعلماء المسلمين.

تبجيل الصوفية

يتدرب الكثير من الصوفيين على الممارسات الصوفية في "الطرق" (الأخويات)، التي يقوم فيها المعلمون بتشكيل الطلاب بعناية. وكان الرومي، على سبيل المثال، قد أسس نظام "المولوية" الشهير المعروف باسم "دراويش المولوية" المتميز بأدائهم الخاص المعروف الذي يطبع هويتهم. والمولوية هو طقس يقوم الممارسون من خلاله بتعميق علاقتهم بالله من خلال أداء رقصة دوران تهدف إلى استحضار تجربة دينية.

كما كسب بعض الصوفية -من الرجال، والنساء في بعض الأحيان- مثل هذه السمعة الكبيرة نتيجة لبصيرتهم ومعجزاتهم بحيث تم النظر إلى إليهم كمرشدين ومُعالجين للمجتمع. وربما تكون المعجزات المنسوبة إليهم قد حدثت في الحياة الدنيا أو بعد الموت.

وعندما مات بعض هؤلاء الصوفية، أصبح العوام ينظرون إلى قبورهم على أنها أماكن تنبع منها "البركة"، و"الطاقة" و"الحضور". وقد نظر بعض المحبين إلى "البركة" المستمدة من القرب من الضريح على أنها تعزز صلواتهم وتغنيها، بينما اعتبرها الآخرون طاقة إعجازية يمكن امتصاصها وتحصيلها بالقرب من الضريح.

بالنسبة للمريدين، تشكل القبور التي تحولت إلى أضرحة ومزارات، أماكن يمنح الله فيها انتباهاً خاصاً للصلوات والدعوات. ومع ذلك، يذهب بعض المريدين شوطاً أبعد كثيراً حين يتضرعون من أجل الشفاعة الشخصية للصوفي المتوفى.

مكان للعبادة العابرة للأديان؟

وإذن، لماذا تعمد بعض الجماعات الإسلامية الأصولية، مثل ما تسمى "الدولة الإسلامية" إلى معارضة الصوفيين بعنف؟

ثمة، كما أزعم، سببان لذلك: أولاً، أن بعض الصوفية -كما تجسَّد في تجربة رابعة، بذلك الشكل الصوفي القادم من البصرة- ينتهكون عمداً الأعراف الإسلامية التي يعتنقها أقرانهم، مما يجعل الكثيرين في مجتمعاتهم يدينون آراءهم وممارساتهم باعتبارها غير تقليدية وبعيدة عن العادية.

ثانياً، ثمة العديد من المسلمين، وليس من المتشددين فحسب، الذين يعتبرون التفاني في تبجيل المزار سلوكاً مفرطاً في الخرافة، ووثنياً في نهاية المطاف. وتعتبر شعبية توقير القبور والأضرحة بين المسلمين وغير المسلمين جرس إنذار ونذير شؤم بالنسبة للكثير من المسلمين المحافظين.

عندما تكبر سمعة ضريح صوفي بسبب قواه الإعجازية، فإن عدداً أكبر من الناس يشرعون في ارتياده وبشكل متكرر سعياً إلى التبرك. وكثيراً ما تصبح المقابر والمزارات أماكن تجميع لأناس من مختلف العقائد، من الهندوس، والمسيحيين، والسيخ، وأناس من أديان أخرى أيضاً.

وثمة أغنيات مديح خاصة -"القوَّالي"- يتم إنشادها في هذه المزارات، والتي تعبر عن القيم الإسلامية باستخدام صور الحب والإخلاص.

مع ذلك، ترفض جماعات إسلامية مثل "طالبان" عبادة المزارات، وكذلك الرقص والغناء، باعتبارها ممارسات غير إسلامية (ومن هنا جاء اغتيالهم لمغني القوالي الشهير على المستوى العالمي، أمجد صبري). وهم يرون في الابتهالات الصوفية ممارسة وثنية.

نجاح التقاليد الصوفية

تعكس التقاليد الصوفية نوعية محجوبة إلى حد كبير من التقاليد الإسلامية بشكل عام. وفي حين أن بعض الحركات الأصولية الإسلامية، مثل الوهابية والسلفيين الآخرين، يرون طريقة واحدة فقط لممارسة الإسلام، فإن هناك آخرين ممن يعتنقون فكرة تنوع الإسلام وممارساته.

لذلك، يدافع الكثير من المسلمين بفخر عن العادات الصوفية، مثل تبجيل الأضرحة والمزارات، لأنها ممارسة تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، وليس فقط في جونب آسيا، وإنما في كل أنحاء العالم. وبالنسبة للكثيرين، تعرض هذه المواقع تعبيرات إسلامية لما يعنيه أن يحب المرء الله.

في الحقيقة، في الكثير من مناطق العالم، كان الصوفيون ناجحين تاريخياً إلى حد كبير في تكييف اللاهوت والممارسات الإسلامية مع العادات المحلية لغير المسلمين. ولذلك، يعزى الفضل إلى التقاليد الصوفية في الجزء الأكبر من محفزات اعتناق الناس للإسلام في جنوب آسيا.

كان فقط بالتوسع العالمي للجماعات الأصولية الإسلامية في القرن الماضي حين أصبحت الحاجة إلى الامتثال المطلق لأشكال معينة قوية جداً. وحتى في ذلك الحين، قبلت أغلبية من المسلمين بمثل هذه الممارسات الإسلامية المختلفة. وبالنظر إلى الشعبية التي تتمتع بها الصوفية، لا عجب أن يعترض "داعش" على مثل هذه النماذج من التعددية الإسلامية.

س.ي

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل ستثمر محاولات الإصلاحيون في حركة فتح مع حركة حماس بانفراجة لقطاع غزة ؟
نعم
لا
غير مهتم
ينتهي التصويت بتاريخ
03/09/2017