جديد الأخبار
من هم الإرهابيون الجدد؟
17/04/2017 [ 13:47 ]
الإضافة بتاريخ:
من هم الإرهابيون الجدد؟

الكرامة برس- وكالات- هناك شيء جديد حول عنف المنظمات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين، إذ إن الإرهاب والمتطرفين كانوا موجودين لسنوات عديدة، وظاهرة الإرهاب العالمي، الذي يضرب مناطق حيوية ويستهدف المدنيين الأبرياء دون الاعتراف بحدود الدول، تعود لسنوات طويلة حتى فترة الحركة اللاسلطوية (الفوضوية)، التي ظهرت في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر. لكن الجديد الآن هو كيفية إقدام هؤلاء الإرهابيين على الموت مع سبق الإصرار والتخطيط.

على مدى السنوات العشرين الماضية، بداية من خالد قلقال، قائد مخطط تفجيرات قطار باريس سنة 1995، وانتهاء بمنفذي هجوم مسرح "الباتاكلان" سنة 2015، فإن كل من قام بعمل إرهابي في فرنسا فجر نفسه أو ذهب إلى الموت على يد قوات الشرطة. أما محمد مراح، الذي قتل حاخاما يهوديا وثلاثة أطفال في المدرسة اليهودية في تولوز سنة 2013، فقد تمتم في لحظاته الأخيرة قبل الموت بجملة شهيرة تنسب لأسامة بن لادن، ويستعملها المتشددون باستمرار "نحب الموت كما تحبون الحياة".

وفي ظل هذه التغيرات، أصبح موت الإرهابي ليس مجرد فرضية أو حادثا عرضيا مؤسفا فقط، بل جزءا أساسيا من التخطيط المسبق. كما أن هذا الولع بالموت موجود أيضا لدى المتشددين الذين ينضمون لتنظيم الدولة، حيث أن منفذي الهجمات الانتحارية ينظرون إلى هجماتهم على أنها أسمى هدف يعبرون به عن التزامهم.

لماذا إذن، على مدى عشرين سنة ماضية، اختار الإرهابيون باستمرار أن يموتوا؟ وماذا يخبرنا هذا عن "التطرف الإسلامي" اليوم؟ وما الذي يخبرنا به عن مجتمعاتنا المعاصرة؟

هذا الاختيار الممنهج للموت يعتبر تطورا جديدا، إذ كان منفذو الهجمات الإرهابية في فرنسا في السبعينيات والثمانينيات، سواء كانت لهم علاقة بالشرق الأوسط أم لا، يخططون بكل عناية للهروب من مسرح العملية. كذلك فإن التقاليد الإسلامية التي تعترف بفضل الشهادة لمن يموت في ساحات القتال، لا تشجع أولئك الذين يذهبون بحثا عن الموت، لأن ذلك يعتبر تدخلا في مشيئة الله. فلماذا إذن، على مدى عشرين سنة ماضية، اختار الإرهابيون باستمرار أن يموتوا؟ وماذا يخبرنا هذا عن التطرف الإسلامي اليوم؟ وما الذي يخبرنا به عن مجتمعاتنا المعاصرة؟

لعل السؤال الأخير يعتبر الأكثر أهمية، بما أن هذا الإقبال على الموت مرتبط بشكل أساسي بحقيقة مفادها أن ظاهرة التطرف المعاصر في الغرب، كما في المغرب العربي وتركيا، هي ظاهرة شبابية لم تتأسس بمعزل عن القناعات الدينية للآباء والعائلة وثقافتها فقط، بل متجذرة أيضا في ثقافة شباب الجيل الجديد. وهذه الصفة التي تتسم بها الحركات المتطرفة المعاصرة تعتبر أساسية لفهم هذه الظاهرة.

لذلك فإنه في كل مكان توجد فيه هذه القطيعة بين الأجيال، تجري الأمور بأشكال متعددة؛ مثل الرغبة في تحطيم الرموز الثقافية القائمة. ولا يتم هنا استهداف الذات البشرية فقط، بل حتى الرموز الدينية والتماثيل وأماكن العبادة وحتى الكتب. ويهدف هذا السلوك إلى تدمير الذاكرة، أو ما يُعبّر عنه "بمسح اللوحة"، وهو هدف مشترك للجيش الأحمر الذي أسسه الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ، والخمير الحمر، وعناصر تنظيم الدولة.

وفي ذات الصدد، كتب مقاتل بريطاني شارك في صياغة "دليل تجنيد الشباب لمصلحة تنظيم الدولة" قائلا: "عندما ننزل لشوارع لندن وباريس وواشنطن، لن نسفك دماءكم فقط، بل سندمر رموزكم، وسنمحو تاريخكم، والأكثر ألما من ذلك هو أننا سوف ندخل أبناءكم في ديننا، وسنجعلهم في المستقبل يحملون أسماءنا ويلعنون أجدادهم".

وبالرغم من أن كل الثورات تجتذب الطاقات الشبابية، إلا أن أغلبها لا يسعى لتدمير الوضع القائم؛ كالثورة البلشفية التي قررت وضع الماضي في متاحف بدلا من تحويله إلى أنقاض، والثورة الإيرانية التي لم تسع قط إلى تدمير مدينة برسبوليس الأثرية.

ورغم أن فكرة الخلافة موجودة في صميم العقيدة الدينية للمسلمين، إلا أنها لا تنطبق على فكرة السعي وراء الموت التي يتبناها التنظيم

إذا، لا علاقة للبعد التدميري لهذه الظاهرة بالأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، إذ لا تخدم هذه الإستراتيجية المنطقة، بل إنها قد تسبب مفعولا عكسيا. وبالرغم من إعلان تنظيم الدولة أن مهمته هي إعادة الخلافة، إلا أن أسلوبه العدمي يجعل من المستحيل التوصل لحل سياسي أو الدخول في أي مفاوضات، أو حتى تحقيق استقرار اجتماعي داخل حدود معترف بها.

من هنا يتبين لنا أن تلك الخلافة مجرد خيال، وأن الهدف يتمثل في إقامة كيان أيديولوجي يتمدد باستمرار في المجال الجغرافي. إلا أن العقبة الإستراتيجية التي تجعل هذا الأمر مستحيلا، تفسر سبب نزوع المنتمين إلى هذه الفكرة نحو قرار الذهاب في طريق الموت، بدلا من تكريس أنفسهم لمصالح المسلمين المحليين.

إضافة إلى ذلك، فلا يوجد أي أفق سياسي أو مستقبل مشرق، أو حتى مكان للتعبد في سلام داخل هذه الرؤية. ورغم أن فكرة الخلافة موجودة في صميم العقيدة الدينية للمسلمين، إلا أنها لا تنطبق على فكرة السعي وراء الموت التي يتبناها التنظيم.

علاوة على ذلك، فإن الإرهاب الانتحاري لا يحقق أي نتائج من وجهة نظر عسكرية. وفي الوقت الذي يقر فيه الناس بوجود درجة من المنطقية في الإرهاب البسيط؛ الذي يتكون من مجموعة من الأفراد العازمين على إلحاق أقصى ضرر ممكن بعدو يفوقهم قوة وعتادا، فإن هذه المنطقية غائبة تماما عن الهجمات الانتحارية، إذ إن حقيقة استغلال هؤلاء المقاتلين المتشددين مرة واحدة لتنفيذ عملية انتحارية هو أمر يفتقد للعقلانية. ثم إن هذه الهجمات الإرهابية لا تجبر المجتمعات الغربية على الاستسلام، بل إنها تحدث ردة فعل عكسية. كما أن هذا النوع من الإرهاب يحصد اليوم أرواح المسلمين أكثر من مواطني الدول الغربية.

هذا الارتباط المنهجي بفكرة الموت يمثل أحد مفاتيح فهم ظاهرة التطرف اليوم، إذ يعد هذا البعد العدمي مركزيا فيها، وما يغري هؤلاء الشباب ويطلق العنان لأفكارهم هي فكرة التمرد المطلق. إضافة إلى كون العنف ليس وسيلة لتحقيق هدف، بل هو هدف في حد ذاته. وهذا ليس كل شيء، إذ من الممكن أيضا القول بأن بعض أنواع الإرهاب الأخرى التي توصف بالعقلانية قد تظهر على الساحة. ومن الممكن أيضا أن يكون هذا النوع من الإرهاب مؤقتا.

في الحقيقة، إن أسباب صعود تنظيم الدولة مرتبطة أساسا بالأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، وزوال هذا التنظيم لن يغير شيئا من عناصر هذه الوضعية المعقدة في المنطقة. فتنظيم الدولة لم يخترع الإرهاب، بل بنى إرهابه على أوضاع موجودة أصلا. وتكمن عبقرية هذا التنظيم في طريقة تقديمه للمتطوعين الشباب رؤية تمكنهم من تحقيق طموحاتهم. لكن في الواقع، فإن من مصلحة التنظيم أن يموت هؤلاء المتطوعون الذي يقوم باستقطابهم، حيث من المستحسن التخلص من المضطربين، الذين يعانون من الضعف والمشاكل النفسية، وهم ذاتهم من يريدون التمرد دون أن يكونوا حاملين لقضية، ومثلهم أولئك الذين لا علاقة لهم بأيديولوجيا التنظيم لكنهم مستعدون لإعلان ولائهم له، حتى تصبح عملية الانتحار التي يريدون القيام بها جزءًا من سياق عالمي.

يجب علينا أن نفهم أن الإرهاب ليس نتاجًا لتبني تفسيرات متطرفة للإسلام، بل ما يحدث هو إضفاء بعد إسلامي على التطرف في حد ذاته

لهذا بالضبط نحتاج إلى مقاربة جديدة لمعالجة مشكلة تنظيم الدولة، مقاربة تبحث عن فهم العنف الذي تتم ممارسته في عصرنا الحالي باسم الإسلام، بالتوازي مع أشكال أخرى من العنف والتطرف المشابهة له، والتي تمثل شكلا من أشكال تمرد الأجيال الجديدة، والتدمير الذاتي، والقطيعة الحادة مع المجتمع، كما تضفي بعدا جماليا على العنف، وثقافة السعي نحو يوم القيامة.

غالبا ما يتم تناسي كون الإرهاب الانتحاري والمنظمات المتطرفة كالقاعدة وتنظيم الدولة ظواهر جديدة في تاريخ العالم الإسلامي، لا ينبغي ربطها بكل بساطة بانتشار التطرف الديني. لذلك يجب علينا أن نفهم أن الإرهاب ليس نتاجا لتبني تفسيرات متطرفة للإسلام، بل ما يحدث هو إضفاء بعد إسلامي على التطرف في حد ذاته.

ودون أن نسعى لتبرئة الإسلام، فإن فكرة "أسلمة التطرف"، تجعلنا نتساءل عن سبب وكيفية تمكن الشباب المتمرد من إيجاد تبرير في الإسلام لتمرده المطلق. هذا لا ينفي حقيقة أن هنالك فكرا إسلاميا متطرفا ظل يتنامى على مدى الأربعين سنة الماضية.

حقيقة، لطالما كان هنالك انتقاد معلن لهذه المقاربة؛ حيث يرى أحد الباحثين أنني تجاهلت الأسباب السياسية لهذا التمرد، والميراث الاستعماري، والتدخل العسكري الغربي ضد الشعوب في الشرق الأوسط، والإقصاء الاجتماعي للمهاجرين وأبنائهم. من جهة أخرى، تعرضت أيضا للاتهام بعدم الأخذ بعين الاعتبار للرابط بين العنف الإرهابي وتفسير الفكر "السلفي" المتطرف للإسلام، والتطرف في تفسير هذا البعد الديني.

تجدر الإشارة هنا إلى أنني مقتنع تماما بكل هذه الأبعاد، لكنني أقول بكل بساطة إنها غير كافية لتفسير الظاهرة التي نحن بصدد دراستها، إذ لا وجود لهذه العلاقة السببية بناء على الأبحاث الميدانية التي اعتمدنا عليها.

بناء على ذلك، فإن رأيي يتمثل في أن عملية التطرف العنيفة ليست من نتائج التطرف الديني، رغم أنها في غالب الأحيان تتخذ المسارات نفسها وتعتمد النماذج ذاتها. ومن الواجب القول إن التطرف الديني موجود طبعا، وهو يسبب مشاكل اجتماعية كبيرة، لأنه يرفض قيم الحرية الفردية وحق الاختيار، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى العنف السياسي.

أما الادعاء بأن هؤلاء المتطرفين مدفوعون بالتجارب القاسية التي عاشها المسلمون الذين تعرضوا في السابق للاستعمار، أو كانوا ضحايا العنصرية ومختلف أشكال التمييز، والهجمات العسكرية وهجمات الطائرات بدون طيار، وموجات الاستشراق، فذلك يعني نسبة قيادة هذا التمرد لضحايا هذه السياسات الغربية. غير أن العلاقة بين هؤلاء المتطرفين وضحاياهم هي في الحقيقة خيالية أكثر من كونها حقيقية.

في مقابل ذلك، فإن أولئك الذين ينفذون الهجمات في أوروبا ليسوا من سكان قطاع غزة أو ليبيا أو أفغانستان. هم ليسوا بالضرورة من أكثر الفئات فقرا أو أكثرها تعرضا للإهانة والإقصاء الاجتماعي. وحقيقة كون 25 في المائة من هؤلاء المتطرفين كانوا قد اعتنقوا الإسلام في وقت متأخر من حياتهم، تظهر أن الرابط بينهم وبين "أمتهم" هو في الحقيقة مجرد وهم.

عندما يتعلق الأمر بفهم الدوافع، فيمكننا إيجادها في خطاباتهم: التغريدات والمحادثات على الإنترنت، محادثات سكايب، الرسائل الموجودة على واتساب وفيسبوك. إنهم يتواصلون مع أصدقائهم وعائلاتهم. كما أنهم يصدرون بيانات قبل موتهم، ويتركون وصاياهم على شكل مقاطع فيديو. باختصار، حتى مع عدم تأكدنا من فهمهم، فقد أصبحنا نعرفهم جيدا.

هؤلاء المتمردون لا يأتون أبدا من الطبقة المسحوقة، وتعبيرهم عن الانتماء لهذه الطبقة الفقيرة والمهمشة، التي يسمونها "الشعوب المستعمرة"، هو خيار مبني على شيء آخر غير الحقيقة الموضوعية. كما أن الإرهابيين أو المتطرفين الذين يقدمون قصة حياتهم الشخصية هم قلة، إذ يدور حديثهم غالبا عما شاهدوه من معاناة أشخاص آخرين. ولعل منفّذي هجوم مسرح "الباتاكلان" بباريس خير مثال على ذلك؛ فهم ليسوا فلسطينيين.

من ناحية أخرى، حتى منتصف التسعينيات، كان أغلب الإرهابيين الدوليين من الشرق الأوسط، من الذين سبق لهم القتال في أفغانستان قبل انهيار النظام الشيوعي سنة 1992. بعد ذلك عادوا إلى أوطانهم للمشاركة في الجهاد المحلي، أو انخرطوا في صراع بمكان آخر. وقد شكل هؤلاء أول موجة من عولمة الإرهاب (أول محاولة لمهاجمة مركز التجارة العالمي في نيويورك تمت سنة 1993، والهجوم على السفارات الأمريكية في غرب إفريقيا سنة 1998، ثم مهاجمة البارجة الأمريكية "كول" سنة 2000).

من الجدير بالذكر أن أول جيل من هؤلاء المتطرفين نشأ على يد أشخاص مثل أسامة بن لادن، ورمزي يوسف، وخالد شيخ محمد. لكن ابتداء من سنة 1995، بدأت سلالة جديدة بالتشكل، عُرفت في الغرب باسم "الإرهابيين المحليين".

من هم هؤلاء المتطرفون؟ نحن نعرف الكثير من أسمائهم بفضل بيانات الشرطة حول منفذي الهجمات في أوروبا والولايات المتحدة. كما تم التعرف على كثيرين بينما كانوا في مرحلة الإعداد لتنفيذ هجمات. إضافة إلى معلومات عن السيرة الذاتية لهؤلاء المتطرفين تم تجميعها على يد الصحفيين. ولا توجد حاجة لتكبد عناء القيام بعمل ميداني لتقصي مسارات حياتهم، فكل المعلومات والبيانات الشخصية باتت متوفرة.

عندما يتعلق الأمر بفهم الدوافع، فيمكننا إيجادها في خطاباتهم: التغريدات والمحادثات على الإنترنت، محادثات سكايب، الرسائل الموجودة على واتساب وفيسبوك. إنهم يتواصلون مع أصدقائهم وعائلاتهم. كما أنهم يصدرون بيانات قبل موتهم، ويتركون وصاياهم على شكل مقاطع فيديو. باختصار، حتى مع عدم تأكدنا من فهمهم، فقد أصبحنا نعرفهم جيدا.

كذلك من المؤكد أننا نمتلك اليوم معلومات عن حياة هؤلاء الإرهابيين الذين ينشطون في أوروبا، أكثر من تلك المتعلقة بالمتشددين الذين غادروا هذه القارة نحو دول أخرى ولم يعودوا أبدا. لكن، كما أظهرت الدراسة التي قامت بها كلية العلوم السياسية في باريس حول المقاتلين الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في سوريا، فإن هناك نقاط تشابه عديدة بين هذه المجموعات. وأنا أركز هنا بشكل أساسي على الفرنسيين والبلجيكيين، الذين يمثلون النسبة الأكبر بين المقاتلين الغربيين الملتحقين بالتنظيم. رغم أن أعدادا لا يستهان بها ممن يشاركون في المعارك الدائرة خرجوا من ألمانيا، وبريطانيا، والدنمارك وهولندا.

بلاعتماد على هذه المعلومات، تمكنت من تأسيس قاعدة بيانات تضم حوالي 100 شخص تورطوا في الإرهاب في فرنسا، أو غادروا فرنسا أو بلجيكا للمشاركة في الإرهاب الدولي خلال العشرين سنة الماضية. وتتضمن هذه القائمة منفذي أبرز الهجمات التي حصلت في الأراضي الفرنسية والبلجيكية.

حقيقة، لا توجد شخصية نموذجية للإرهابي، لكن هناك صفات تتكرر بشكل ملحوظ. وأول خلاصة يمكن الخروج بها هي أن هذه النماذج الشخصية بالكاد تغيرت على مدار عشرين سنة. إذ تجمع بين خالد قلقال، أول "إرهابي محلي" في فرنسا، والأخوين كواشي (منفذا هجمات شارلي إيبدو في باريس 2015)، العديد من الصفات المشتركة؛ فهم من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، وقد كانوا في البداية مندمجين نسبيا في المجتمع، ثم تورطوا خلال فترة ما بارتكاب الجرائم، ليصبحوا متطرفين في السجن، وينفذوا فيما بعد هجوما بهدف الموت، حيث كانوا يحملون السلاح في أيديهم ويقفون أمام الشرطة.

إضافة إلى ذلك، هناك صفة أخرى تجمع بين المتطرفين في الدول الغربية، هي أنهم بدؤوا حياة جديدة كمسلمين، بعد أن عاشوا لفترة من الزمن نمط حياة علمانيا، فكانوا يترددون على الملاهي ويشربون الكحول، وتورطوا في جرائم تافهة، ثم فجأة جددوا التزامهم الديني، سواء بشكل فردي أو ضمن مجموعة. وعلى سبيل المثال، فقد كان الأخوان عبد السلام يديران حانة في بروكسل، ويترددان على الملاهي الليلية في الأشهر التي سبقت هجوم مسرح الباتاكلان. إذا، فأغلب هؤلاء ينتقلون نحو التنفيذ خلال الأشهر التي تلي عودتهم للالتزام الديني أو اعتناقهم للإسلام، لكنهم يكونون في الحقيقة قد أظهروا استعدادا للعنف والتطرف قبل التزامهم الديني.

في كل القضايا تقريبا، تكرر نفس السيناريو الذي أدى لتكوين مجموعة متطرفة. إذ يكون أعضاء المجموعة بنفس الصفات دائما؛ كإخوة، وأصدقاء طفولة، أو شركاء في السجن، وأحيانا ممن تعرفوا على بعضهم في معسكر تدريب. ويعد عدد الإخوة الذين انضموا إلى هذه المجموعات مثيرا للاهتمام.

هؤلاء المتطرفين هم في الغالب من الأيتام؛ على غرار الأخوين كواشي، أو من أسر مفككة. وهم ليسوا بالضرورة في حالة تمرد ضد آبائهم بشكل شخصي، بل ضد ما يمثله هؤلاء في نظرهم، وهو "الإهانة والتنازلات التي تم تقديمها للمجتمع، وما يرونه هم على أنه جهل ديني".

هذا الوجود المكثف للأشقاء داخل الخلايا المنفذة للهجمات لم يلاحظ في أي سياق آخر في مجال دراسة الحركات المتطرفة، سواء تعلق الأمر باليمين المتطرف أو بالمجموعات الإسلامية. وهو ما يسلط الضوء على أهمية مسألة الأجيال ضمن هذه الظاهرة.

على الصعيد ذاته، كتب المتطرف السابق ديفيد فالات، قائلا إن خطاب الاستقطاب المتطرف يمكن تلخيصه فيما يلي: "الإسلام الذي يعتنقه والدك هو ما تركه لنا الاستعمار، وهو إسلام الخنوع والذل. أما إسلامنا فهو إسلام المقاتلين، الدم والمقاومة".

كما تجدر الإشارة إلى أن هؤلاء المتطرفين هم في الغالب من الأيتام؛ على غرار الأخوين كواشي، أو من أسر مفككة. وهم ليسوا بالضرورة في حالة تمرد ضد آبائهم بشكل شخصي، بل ضد ما يمثله هؤلاء في نظرهم، وهو "الإهانة والتنازلات التي تم تقديمها للمجتمع، وما يرونه هم على أنه جهل ديني".

أغلب هؤلاء المتطرفين الجدد منغمسون بشكل عميق في ثقافة الشباب، حيث يترددون على الملاهي الليلية، ويخالطون بائعات الهوى، ويدخنون، ويشربون الخمر. وقد أظهرت البيانات أن حوالي 50 في المائة من هؤلاء المتشددين في فرنسا، لديهم تاريخ من ارتكاب الجنح والجرائم التافهة؛ مثل بيع المخدرات وممارسة العنف، وبشكل أقل عمليات السطو المسلح. كما أن هذه الأرقام نفسها أيضا موجودة في ألمانيا والولايات المتحدة، ويضاف إليها عدد كبير من عمليات الاعتقال بسبب القيادة في حالة سكر.

أما على صعيد المظهر الشخصي، فعاداتهم في اللباس متطابقة مع شباب اليوم، حيث يفضلون العلامات التجارية المشهورة، وقبعات البيسبول، والسترات الفضفاضة. باختصار فإنهم يفضلون ملابس الشارع التي لا علاقة لها باللباس والثقافة الإسلامية.

كما أن أذواقهم الموسيقية أيضا متطابقة مع الرائج في الوقت الحالي، حيث يحبون موسيقى الراب، ويترددون على الملاهي. ومن أبرز من تطرّف من هؤلاء، مغني الراب الألماني دينيس غاسبر، المعروف باسمه الفني "ديسو دوغ"، والذي أصبح يسمي نفسه "أبو طلحة الألماني" عندما ذهب للقتال في سوريا. وغالبا فهم أيضا يعشقون ألعاب الفيديو، ومولعون بأفلام الحركة والعنف الأمريكية.

تلك الميولات العنيفة لديهم، من الممكن تفريغها بطرق أخرى غير التطرف والإرهاب، مثل ما نراه على سبيل المثال في حروب العصابات في مدينة مارسيليا. كما يمكن إدماج هؤلاء وتوجيههم من قبل مؤسسات رسمية، حيث أراد محمد مراح على سبيل المثال الانضمام للجيش، ويمكن أيضا تأطيرهم عبر نواد رياضية.

كمثال على تلك المجموعات، يوجد مجموعة تتكون من برتغاليين منحدرين من أصول أنغولية، اعتنقوا الإسلام في وقت متأخر، وقد غادروا مدينة لندن متجهين نحو صفوف تنظيم الدولة، بعد أن توطدت العلاقة بينهم في ناد للملاكمة تديره منظمة بريطانية غير حكومية. لذلك تعتبر نوادي الرياضات القتالية أكثر أهمية من المساجد في الحياة الاجتماعية لهؤلاء المتطرفين.

وعلى صعيد اللغة، فإن اللغة التي يتحدثها هؤلاء المتطرفون هي دائما لغة البلد الذي يعيشون فيه. ففي فرنسا مثلا، ينتقلون بعد جنوحهم للتطرف إلى استعمال لغة فرنسية ذات طابع "سلفي" تستعمل في الضواحي الفقيرة.

كما أن الفترات التي يقضونها في السجن تضعهم في اتصال مباشر مع زملائهم المتطرفين، هناك حيث يكونون بعيدين عن المؤسسات الدينية المنظمة. وفي هذا الصدد، فإن السجن يسهم في تضخيم العوامل التي تغذي التطرف المعاصر؛ كمشكلة الجيل الجديد، والتمرد على النظام القائم، ونشر نسخة مبسطة من السلفية، وتكوين مجموعات ذات روابط قوية، وإعادة تعريف الجريمة بشكل يجعلها نوعا من الاحتجاج السياسي المشروع.

لو كان هناك حقا تطرف ديني، فإنه لم يظهر في إطار المساجد التابعة للتيار السلفي، بل في إطار فردي أو داخل مجموعة معينة

ثمة صفة أخرى مشتركة بين هؤلاء المتطرفين، هي ابتعادهم عن دائرة المقربين منهم. إذ لم يعش هؤلاء في محيط متدين، وعلاقتهم بالمسجد في الأحياء التي عاشوا فيها كانت متقلبة، فهم إما ترددوا على المسجد لفترات متقطعة، أو تم طردهم منه بعد صدور سلوك غير مقبول منهم تجاه الإمام. كما أنه لا يوجد من هؤلاء المتشددين من سبق له الانتماء إلى الإخوان المسلمين، أو العمل مع مؤسسة خيرية إسلامية. إضافة لعدم مشاركة أحد منهم في جهود لنشر الدين الإسلامي أو تمتعه بعضوية حركة تضامن مع القضية الفلسطينية. وأخيرا، فلا أحد منهم، بحسب علمي، شارك في الاحتجاجات التي شهدتها الضواحي الفقيرة في فرنسا في 2005. هؤلاء كلهم لم يصبحوا متطرفين بسبب انتمائهم لحركة دينية قبل أن ينخرطوا في ممارسة الإرهاب.

إلى جانب ذلك، لو كان هناك حقا تطرف ديني، فإنه لم يظهر في إطار المساجد التابعة للتيار السلفي، بل في إطار فردي أو داخل مجموعة معينة. والاستثناءات الوحيدة توجد في بريطانيا، التي توجد فيها شبكة من النشطاء داخل المساجد، تضم أعضاء من مجموعة "المهاجرون"، التي خرجت منها مجموعة أخرى أكثر تطرفا هي "الشريعة للمملكة المتحدة"، وكان يقودها أنجم شودري. لذلك فإن السؤال هنا يدور حول توقيت ومكان انخراط هؤلاء المتطرفين في الدين. كما أشير هنا إلى أن التطرف الديني يتنامى عادة خارج المؤسسات الاجتماعية، ويكون بشكل مفاجئ وفي وقت متأخر، قبل وقت قصير من وصول هؤل

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل ستثمر محاولات الإصلاحيون في حركة فتح مع حركة حماس بانفراجة لقطاع غزة ؟
نعم
لا
غير مهتم
ينتهي التصويت بتاريخ
03/09/2017