قبيلة "الترابين" تواجه "داعش" و"الارهاب" في جبل الحلال
14/05/2017 [ 10:18 ]
الإضافة بتاريخ:
قبيلة "الترابين" تواجه "داعش" و"الارهاب" في جبل الحلال

الكرامة برس- وكالات- ترددت فى الآونة الأخيرة أحداث ما جرى ما بين قبيلة الترابين وتنظيم ما يعرف بولاية سيناء، التابع لتنظيم داعش. وعبر البعض عن حماسهم الشديد لهذا التحول اللافت فى العلاقة بين أهالى سيناء والتنظيم الإرهابى، باعتبار ذلك تعبيرا عن المقاومة الشعبية للأهالى المتأثرين من الأوضاع المتردية فى منطقة منشئهم.

فيما رأى البعض الآخر أن هذا منذر بآثار لن تتحمل القبائل عثراتها. من قبيل ذلك القول بأن هذا سيؤثر مستقبلا فى حجم قبيلة الترابين، تحت دعوى أن القبائل التى واجهت التنظيم فى العراق وسوريا فقدت ما يقرب من سبعمائة من أبنائها، أو القول بأن ذلك ينذر بحرب أهلية لن تتحملها القبائل، عندما تقوم الترابين بقتل أحد أبناء إحدى القبائل الأخرى، فتشتعل الحرب تدريجيا بين القبائل، أو القول أخيرا بأن قوة القبائل أضعف من القدرة على مواجهة الإرهاب، وأن دحرهم للإرهاب سيكون على حساب الدولة.

ولكن قبل الدخول فى الرد على الحجج والبراهين، التى جرى طرحها مؤخرا ينبغى مبدئيا التعريف بما جرى مؤخرا.

مسرح الأحداث

فى تطور غير معتاد لمسار الأحداث، أصدرت قبيلة الترابين بياناً نارياً تدين فيه مقاتلى داعش، وتتوعدهم بحرب مستعرة.

وقبيلة "الترابين" كما هو معروف واحدة من أكبر القبائل وأكثرها شدة وقوة، ويغطى وجودها مناطق من جبل الحلال، الذى اعتادت العصابات الإجرامية الاختباء فيه عن أعين السلطات. ومن ثم؛ فإن القبيلة قادرة على امتلاك القدرة على مواجهة التنظيم، بفضل ما لديها من العتاد البشرى من أبنائها الموجودين على أطراف جبل الحلال.

من العنف الرمزى إلى الدماء

لم تكن العلاقة بين القبيلة والتنظيم قد انفصمت عراها منذ وقت قريب، بل هناك من الشواهد التى تؤكد هذا الانفصام باكرا. إذ لم تسلم القبيلة من الاعتداءات التى مارسها التنظيم. فعلى مستوى قمة القبيلة ومشايخها وزعمائها، شن التنظيم هجوما على أحد زعماء القبيلة، وهو السيد إبراهيم العرجانى، الذى يعد واحدا من رجال الأعمال الداعمين للحكومة المصرية.

فالرجل يعيش فى القاهرة، وتعرض على الرغم من ابتعاده عن مجرى الأحداث للأذى. فلطالما هدد التنظيم عائلته واستولى على إحدى سياراته، ردا على حديث له فى المؤتمر الاقتصادى فى مارس. كذلك قام أعضاء التنظيم بحرق منزله.

ولم يقف الأمر عند حد الاعتداء على أحد مشايخ الترابين، بل امتد للأفراد العاديين. فعندما قام أحد أبناء القبيلة برفض توزيع منشور للتنظيم، وسار بسيارته مثيرا الرمال فى وجوههم، سرعان ما ذهبوا إلى بيته وأردوه قتيلا على الفور. وقد أثار هذا حفيظة الكثيرين، وتغيرت الأوضاع من حديث بالكلمات، من العنف الرمزى إلى عنف مادى وإثارة للدماء.

قتل المتعاونين مع الجيش

لقد اعتاد التنظيم استهداف المواطنين العزل الذين يعملون مع الجيش المصرى كمرشدين له بالمعلومات. فما إن يعرف التنظيم أحدهم إلا ويقومون بإنزال العقوبة عليه بالقتل. وهو ما قد كان مع إحدى السيدات المنتميات لقبيلة الترابين؛ حيث قاموا باختطافها، واغتصابها، ثم فصلوا رأسها عن جسدها. وبطبيعة الحال فقد تركت هذه الفعلة الشنعاء أثرا سيئا لدى القبيلة وأبنائها، بل وبين أبناء القبائل السيناوية بشكل عام. فاستهداف امرأة هو عمل لا يدل على المروءة ولا تقره الأعراف والثقافة البدوية.

حرب اقتصادية

علاوة على التهديدات السابقة، تهديد الأمن الشخصى لأبناء القبيلة، وتهديد القيم الأخلاقية المحافظة للقبيلة، فإن التنظيم كان مهددا للمصلحة الاقتصادية؛ حيث أشار مثلا تقرير لمسئولين فى وزارة المالية بغزة إلى أن حوالى تسعة ملايين علبة سجائر يتم تهريبها إلى قطاع غزة.

والقيام بقطع هذا النوع من الإمدادات المقدمة بطريق غير شرعى إلى غزة يقدم عددا من الدلائل، أولها: أن التنظيم يواصل حربه ضد التنظيم، وهى حرب قديمة وليست وليدة اللحظة، كما يتصور البعض.

وثانيها: أن هذا الحرب الاقتصادية تقع بالخسارة على طرفين: من جانب المتاجرين من أبناء القبائل، فالعائد المقدر يصل إلى مليارات الجنيهات شهريا، ومن الجانب الفلسطينى حيث تفرض حركة حماس ضرائب على السلع المهربة، وهو ما يعنى أيضا خسارة كبيرة من الجانب الحمساوى.

ويشار هنا إلى أن ما تقوم به داعش تسبب فى رفع سعر السجائر خمسة أضعاف سعرها الأصلى؛ حيث ارتفع سعرها من أربعة شيكل إلى ٢٤ شيكلا أو ما يعادل سبعة دولارات.

 وهو ما يمثل عبئا على حركة حماس، من ناحية أخرى حيث يقبل على التدخين نسبة كبيرة من الشباب الذى يعانى البطالة، إذ تصل نسبة البطالة فى قطاع غزة إلى ما يعادل ٧٠٪ من السكان بشكل عام، ويقدر عدد المدخنين إلى ما يعادل شخص واحد من كل أربعة أشخاص.

فاعلية الرموز الثقافية

إن تنظيم داعش عمل فى المناطق المختلفة، التى تواجد فيها على ممارسة الأعمال الإجرامية من قبيل الخطف (لطلب الفدية)، وبيع الآثار والنفط، وتجارة الأعضاء، والنخاسة.

وفى الآن ذاته يتبنى التنظيم ثقافة يبرر بها أفعاله الإجرامية. ثقافية تحدد بعناية ما ينبغى القيام به لبناء الدولة الإسلامية وما لا ينبغى العمل فيه. إنها إيديولوجيا التنظيم التى يسعى إلى فرضها، إيديولوجيا تعيد تقسيم الفضاء الاجتماعى، وتعيد بناء شروط العمل وطريقة تقسيمه، وتوزيع المنافع.

ولذلك يحدد التنظيم عددا من الأعمال باعتبارها أعمالا محرمة، ولا ينبغى للمسلم العمل فيها. وهنا تجد الإيديولوجية المتطرفة نفسها فى مأزق.

والناظر للثقافة البدوية سوف يلحظ تأثير الطبيعة فى وجدان وسلوك ورؤية الفرد والجماعة. فأنت تستطيع أن تبنى علاقة إنسانية متينة من خلال كوب ماء، ويمكنك أن تفضها وتهلك أى وسيلة اتصال عميق ومؤثر إن قطعت هذه المياه عنه.

ولعلنا نلحظ أن كل ما يتصل بالطبيعة (ما يعتبر بنظر البدو خير السماء) لا ينبغى تدنيسه، وليس من الحكمة رفضه أو الاعتراض عليه. ولذلك يعتبر البدو كما تؤكده الدراسات الأنثروبولوجية أن كل ما تنتجه الأرض حلال، لأنه خير صنعته يد الخالق. ومن ثم فكل ما يدخل الجوف وله أصل طبيعى هو حلال، ومسموح للإنسان بتناوله واستهلاكه، وأنه غير ضار. بينما على الطرف الآخر؛ فإن أبناء الحواضر لا ينظرون لكل ما تنتجه الطبيعة بعين التقدير. فالحضرى ينظر بقلق لما هو طبيعى، لأنه اعتاد أن يعتمد على ذاته، يكتسب وجوده مما ينتجه هو، لا مما تقدمه له الحقيقة.

العادات الذهنية

على عكس ما يتم تصوره عن الدواعش؛ فإنهم بحكم العادات الذهنية وإدراكات المحلية ينطلقون من ذهنية الحواضر، ومن نمط تدين شكلانى، يؤثر شكل الدين وطقوسه فى محتواه، أو كما تصور باسكال من أن الصلاة تؤسس المعانى فى جسد المصلى من خلال تكرارها الطقوسى. فالطقوس المكررة والمتتابعة تغرس المعانى فى الوعى، بل ويمكن القول مجازا وفى الجسد. ولذلك ليس غريبا هذا الحرص من جانب أنصار الإسلام السياسى على ضرورة أن تقترن الدروس الدينية بالصلاة، حتى يتسنى تهيئة الوعى لتلقى المحتوى الفكرى المراد، بعدما تم تهيئة الروح والجسد.

صراع دينى

لذلك ليست المسألة كما يتخيل البعض هو صراع بين طرفين على المصالح الاقتصادية، ولكنه صراع رؤيتين للتدين: التدين فى صيغة الانطلاق الحر المبنى على الطبيعة وقوتها وسحرها الخاص دون تدخل البشر وصناعاتهم، والتدين بصيغة التقييد وفق حيز الشكل والطقوس والأوامر القسرية. فليس الأمر هو اقتطاع رزق بدو الترابين، وفقط، ولكنه يتعلق بامتهان الكرامة، والسجال الثقافى.

يمكن باختصار القول إنه سجال بين رؤيتين، بدأ رمزيا بهجوم أحد المشايخ على المتشددين هجوما يقف عند حدود الاختلاف الثقافى وداخل سياجه، وينتهى على الأرض بممارسة القتل، الذى بحد ذاته التمثيل المادى لفعل الاختلاف غير المحتمل بين نقيضين. فإما أن تقبل القبيلة بالثقافة الجديدة، وتقوض بنيانها الثقافى، أو أن تقاوم هذا الغريب.

الدواعش كغرباء

يعد مفهوم الغريب مفهوما أساسيا ضمن شبكة المفاهيم الحاكمة للعقل البدوى. فالبدوى ينظر للغريب كفرد له وجود مؤقت، وجود مرهون بالرحيل. وهو أقرب إلى العدو المحتمل.

والواقع أن هذا التصور للغريب هو النقيض لتصور الحضر. ذلك أن الفضاء الحضرى هو فضاء يضم غرباء حولوا علاقاتهم الطارئة إلى علاقات طارئة محكومة بعلاقات قرابة متخيلة. ولعلنا نلاحظ ذلك فى حياتنا اليومية فنحن نوصف أشخاصا بصفات قرابية، كأن نقول العم فلان... إلخ. إن ما نقوم به من اصطناع قرابة غير موجودة إنما يكون بغرض تقريب المسافات وبناء صلات تشبه صلات الرحم، أو تفوقها.ش

وفى القبيلة يعد ابن القبيلة غير الطبيعى أهم بكثير من الغريب، وتزداد الجفوة أكثر إن نشب صراع على الأصول الطبيعية: الأرض والماء. ولذلك حرص بعض زعماء العشائر والقبائل الذين ظهروا على شاشات التليفزيون على وصف الدواعش بالغرباء. فهؤلاء القتلة لا ينتمون إليهم، ومن ينتمى منهم إليهم فهو يعد كالخليع مهدر دمه. ولذلك حرص المشايخ على ادعاء أن تكون المواجهة متضافرة بين أكثر من قبيلة، حتى لا يتحول الأمر إلى حرب أهلية.

س.ي

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
ما الوسائل التي يمكن من خلالها تفعيل الدعم الشعبي لإضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في سجون الاحتلال حال استمراره؟
تصعيد الانتفاضة الشعبية عند خطوط التماس ضفة-غزة
إطلاق صواريخ-غزة و الطعن والدهس-الضفة
الحراك الدبلوماسي للسلطة في المحافل الدولية
ينتهي التصويت بتاريخ
10/06/2017