جديد الأخبار
حسن الترابي .. الإخواني الذي قسم السودان
17/05/2017 [ 08:13 ]
الإضافة بتاريخ:
حسن الترابي .. الإخواني الذي قسم السودان

الكرامة برس- وكالات- يُعتبر حسن الترابي أحد أبرز الزعماء السياسيين والقادة الدينيين في جمهورية السودان، فضلاً عن كونه أحد أبرز الشخصيات السودانية، التي أثارت جدلاً حولها خلال الفترة الماضية، ففي حين يرى فيه مُريديه سياسيا مُحنكا وبارعاً، في تحريك الإعلام، إلى جانب كونه خطيبا مؤثرا وداعية ومفكرا، يرى فيه خصومه شخصا مخادعا له طموح لا يحد، وخبرة في الدسائس والمؤامرات، وتعلق بالسلطة، بل ويتهمونه بإصدار فتاوى تخرج عن إجماع أهل السنة كعدم قتل المرتد إلا في حالة حمل السلاح، والقول بإيمان أهل الكتاب، واستثمار نظرية المصلحة، واستخدام مصطلح القياس الواسع، والقول بشعبية الاجتهاد.

ولد حسن عبد الله الترابي في أول فبراير 1932، بمدينة "بكسلا" شمال شرق السودان، قرب الحدود الإريترية. نشأ في بيت متدين وتعلم على والده الذي كان قاضيا وشيخ طريقة صوفية، تزوج من وصال الصديق المهدي شقيقة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي زعيم حزب "الأمة".

درس الحقوق في جامعة الخرطوم ثم حصل على الإجازة من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1957 وعلى دكتوراه الدولة بجامعة السوربون بباريس في 6 يوليو 1964.

عمل الترابي أستاذاً في جامعة الخرطوم ثم عميداً لكلية الحقوق، وعيّن في يوليو 1979 رئيساً للجنة المكلفة بمراجعة القوانين من أجل أسلمتها، ثم عيّن وزيراً للعدل، وفي1988 عيّن نائباً لرئيس الوزراء في السودان، ووزيراً للخارجية في حكومة الصادق المهدي، وفي 1996 تم اختياره رئيساً للبرلمان السوداني.

انتمى في بداية عهده إلى جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنه انشق عنهم وألف تنظيمه الخاص، الذي شاع في المجتمع السوداني المسلم، لكن اقتران الذكاء بالطموح يؤدي في كثير من الأحيان إلى كوارث ما لم يضبط بمعايير الشرع وضوابط الحكمة، وهذا فيما يبدو ما لم يلتزم به الترابي، وبعد حياة عاصفة ومشاركة كبيرة في حكم الرئيس السوداني جعفر النميري.

ورغم وصول الترابي في حكم الرئيس جعفر النميري إلى مناصب عديدة، حيث وصل إلى منصب النائب العام، إلا أن "الترابي نظم وقتها مسيرة مليونية كشفت للنميري عن خطورة الترابي، وشب بينهما شقاق عنيف ولجأ الترابي الذي كان بالإضافة إلى عمله بتنظيم الإخوان، عليماً بأساليب الحزب الشيوعي السوداني الذي كان يعد من أكبر الأحزاب الشيوعية في المنطقة، إلى سلسلة من التكتيكات السياسية وصلت إلى القمة عندما اتفق مع مجموعة من الضباط الذين كان قد استمالهم لدعوته للثورة على حكم الصادق المهدي، الذي كان يحكم بطريقة الديمقراطية الحزبية.

وأتقن الترابي خطته بصورة لم يكن ميكافلي نفسه ليخرجها بصورة أكثر إحكاماً، فقام الانقلاب وقبض على الترابي فيمن قبض عليه من الزعماء (باتفاق سابق وكجزء من الخطة الميكيافيلية)، وبعد فترة أطلق سراحه وقام تعاون وثيق ما بينه وبين قائد الثورة، واعتبر الترابي المنظر الفكري والأب الروحي للعهد، ولكن ذلك الذكاء والطموح أوجدا من الشقاق بينه وبين قائد الانقلاب ورئيس الدولة مثل ما أوجده بينه وبين الإخوان، وبينه وبين النميري، وقام عداء حاد وخصومة عنيفة بين القائد الشرعي للحكومة وبين فيلسوفها ومنظرها.. وكان الترابي خلال تمكنه من السلطة قد دعم تنظيمه الشعبي الخاص، بحيث استعصى على رئيس الدولة أن يقتلعه، واحتفظ الترابي بصفة مكنته من التفاوض مع عدوه اللدود قرنق زعيم حركة الانشقاق والذي كانت تدعمه الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبره كل وطني سوداني عدواً للسودان، لكن السياسة لا عهد لها ولا إيمان، وهكذا مد يده ليد خصومه في الوقت الذي كانت حكومته تحاربه.

اعتُقل في السبعينيات ثلاث مرات خلال عهد الرئيس جعفر نميري، نتيجة توقيعه على مذكرة تفاهم مع حركة "جون قرنق" الانفصالية في جنيف، حيث أقرت هذه المذكرة عشر نقاط، من بينها: منح الجنوب حق تقرير المصير وتصعيد وسائل المقاومة الشعبية السلمية، وطالبت بإلغاء القوانين المقيدة للحريات ورفع حالة الطوارئ.

ورغم تطبيق النميري للشريعة الإسلامية في 1983، تحالف مع الجنرال عمر حسن البشير في يونيو 1989 من أجل الإطاحة بنظام صادق المهدي زعيم حزب الأمة ورئيس الدولة.

تأسيس الجبهة والمؤتمر

بعد سقوط نظام جعفر النميري أسس الترابي عام 1986 الجبهة الإسلامية القومية، وترشح للبرلمان، لكنه لم يفز، وبعد انقلاب البشير وتحالفه مع الترابي ضد حكومة صادق المهدي، انفصل الترابي عن الجبهة القومية على خلفية نزاعه على السلطة والصلاحيات مع البشير؛ ليؤسس حزب المؤتمر الشعبي وانضم لصفوف المعارضة.

وفي 22 - 28 أبريل 1991 أسس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في مؤتمر ضم ممثلين عن 45 دولة إسلامية وأصبح أمينه العام

الشريعة الإسلامية

أصبح الترابي أحد أعضاء جبهة "الميثاق الإسلامية"، وهي جبهة تمثل أول حزب أسسته الحركة الإسلامية السودانية، والتي تحمل فكر الإخوان المسلمين، وبعد 5 سنوات أصبح لجبهة الميثاق الإسلامية دور سياسي أكثر أهمية، فتقلد الترابي الأمانة العامة بها عام 1964، حتى أصدر الرئيس السوداني جعفر النُّميري قرارًا باعتقال أعضائها في 1996، ومكث على إثرها الترابي في السجن 7 سنوات، حتى أطلق سراحه بعد مصالحة الحركة الإسلامية السودانية مع النميري عام 1977.

وبعد أيام من إعلان حكومة نميري فرض قوانين الشريعة الإسلامية في عام 1983، انقلبت بعدها على جبهة الميثاق الإسلامية- حليفتها في السلطة- لكن الشعب عارض الأمر بواسطة الإجراءات القانونية مثل حل البرلمان السوداني، وبواسطة المظاهرات؛ مما أدى إلى ثورة شعبية ضد نميري في 1985، أسس في أعقابها الترابي "الجبهة الإسلامية القومية"، كما ترشح للبرلمان ولكنه لم يفز، وفي يونيو عام 1989 أقام حزب الترابي انقلابا عسكريا ضد حكومة صادق المهدي المنتخبة ديمقراطيًّا، وتم تعيين عمر حسن البشير رئيسا لحكومة السودان.

وفي 1991 أسس الترابي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي يضم ممثلين من 45 دولة عربية وإسلامية، وانتخب أميناً عاماً لها، ووقف الترابي ضد التدخل الأجنبي في المنطقة بحجة تحرير الكويت إبان الغزو العراقي عام 1990؛ مما أدى إلى تدهور علاقاته مع الغرب وبعض الدول العربية، واختلف مع حكومة الإنقاذ بقيادة البشير حول قضايا، أهمها الفساد، والشورى، والحريات، وحل البشير البرلمان، في أواخر عام 1999م، وبعدها أصبح الترابي أشهر معارض للحكومة.

فتاوى شاذة

ورغم أن الترابي يُعتبر من أشهر قادة الإسلاميين في العالم ومن أشهر المجتهدين على صعيد الفكر والفقه الإسلامي المعاصرين، حيث له العديد من كتاب تفسير القرآن، فضلاً عن كتب في أصول الفقه، وأخرى في مجالات الإصلاح الإسلامي والسياسة، إلا أن له العديد من الفتاوى الفقهية المثيرة للجدل التي يُطلقها من حين لآخر، ومن بين هذه الفتاوى، جواز إمامة المرأة للرجل في الصلاة، كما أصدره فتوى بجواز زواج المرأة المسلمة من أهل الكتاب، وهو الأمر الذي خالف فيه المذاهب الإسلامية المتبعة.

أثر الترابي على الحياة السياسية

واعتبر المفكر الإسلامي جمال البنا في كتابه "تجديد الإسلام" تجربة الترابي في السودان تنضم إلى تجارب أخرى فاشلة من تجارب مشروع "الدولة الإسلامية" أو "المشروع الحضاري للدول الإسلامية"، فلم تقم دولة الترابي بمحو أمية أو تحقيق العدالة أو إنصاف الفقراء أو تعميم الحرية، لقد كانت حكما عسكريا غشوما أضافت إلى السودان ما لم يعهده في أي حكم سابق.

ما يثير الانتباه أن الترابي على ثقافته وخبراته لم يقدم فكرا تجديديا إسلاميا أصيلا يتناسب مع ذلك، فقد أصدر كتابا كبيرا عن الإيمان وأرخ لحركة الدعوة الإسلامية في السودان، وصدرت كتيبات عديدة تلخص بعض محاضراته، منها كتيب تجديد أصول الفقه في قرابة 80 صفحة تضمن إشارات بارعة، منها الأثر السيئ للمنطق الأرسطي على الفقه الإسلامي، ولكن مكان ينتظر من فيلسوف التجديد الإسلامي أن يقدم مشروعاً متكاملاً مؤصلاً، ولعله كان قديراً على ذلك لولا أنه شغل وقته كله في المناورات السياسية، وأنه لم يرب أتباعه تربية تحررية وإنما تربية شيخ الطريقة لمريديه.     

كل ذلك وبما لا يدع مجالاً للشك تسبب في ضياع السودان وتقسيمها أشتاتا، حيث انقسم الجنوب عن الشمال، إلى جانب احتمالية انفصال "دارفور" وإقليم "كوردفان"، بفضل الفهم الخطأ للنص وإعمال فقه الجماعة على فقه الدولة.

من جانبه، اعترف زعيم حزب المؤتمر الشعبي في السودان حسن عبد الله الترابي، بمسئوليته الشخصية عن كل الأزمات التي تشهدها أطراف البلاد، وطلب من الله المغفرة، في وقت جدد حزبه التمسك بتحالفه مع قوى المعارضة.

وأبدى الترابي- وفقا لصحيفة "سودان تربيون" الصادرة في الخرطوم منتصف فبراير 2014- أسفه الشديد على ما آلت إليه الأوضاع فى دولة الجنوب بسبب القتال الذي يدور هناك منذ شهر ديسمبر الماضي، بين قوات الجيش الشعبي التابعة للرئيس سلفا كير، وتلك الموالية لنائبه السابق رياك مشار.

وقال "إنه يشعر بمسئوليته الشخصية تجاه كل الأزمات التي تعم أطراف السودان بوصفه سياسيا كان حاكما في حقبة ما، موضحا أن التمزق والاحتراب الذي يعيشه السودان نتاج قوي لسوء الإدارة طوال الستين عاما الماضية".

وأقسم الترابي، بأنه يشعر بالأذى الذي يعانيه الناس في أطراف البلاد بسبب الحروب والدمار، مشددا على أن الأخلاق تعتبر الأساس في كل مناحي الحياة السياسية والقانونية، وقال- موجها حديثه لحلفائه في قوى المعارضة- إن الثورات باتت تحصد الفوضى، مؤكدا أن الهدم أسهل كثيرا من البناء داعيا للتخطيط.

إن الترابي بكل أخطائه، وبكل معرفته لو مضى إلى جامعته والتدريس بها، لاستفاد الناس من عالم لا يقل قيمة وقامة عن أقرانه العلماء.

مذكرة التفاهم بين "الترابي" و"جون قرنق"

في واقعة اعتبرها الكثير من المراقبين ليست بالغريبة على شخصية انتفاعية مثل حسن الترابي، وقع مذكرة تفاهم مع رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، منتصف فبراير 2001، وتعتبر مذكرة التفاهم التي وقعها مع قرنق هي إعلان لحـلف سياسي لمحاربة الدولة مع حركة ظلت تقاتل الدولة منذ 18 عاما، فيما اعتبر آخرون المذكرة بمثابة اتفاق للتآمر والتهديد بالعنف صراحة، إلا أن توقيع "مذكرة التفاهم" لا يتناقض شكلا ومضمونا مع الدستور السوداني ولا مع العرف السوداني السائد خاصة في وسط الأحزاب والجمعيات الأهلية.

ورغم بيان أصدرته السفارة السودانية في القاهرة بتاريخ 25-2-2001، والذي قال: إن الحكومة السودانية "ليست ضد مبدأ اتصال أي حزب أو تفاوض مع الحركة الشعبية إذا كان ذلك يستهدف إقناع الحركة بالجنوح للسلم والتخلي عن الحرب والاستجابة لنداءات السلام المتكررة"، إلا أن الحكومة السودانية، بادرت باعتقال الترابي وبالغت في وصفه بالخيانة لدماء الشهداء وتعطيل الجهاد والعمل على زعزعة الأمن والاستقرار وإسقاط الحكومة.

إنها قصة مأساوية تضاف إلى مصارع الإسلاميين، الذين استهدفوا الحكم، لقد خسرته الدعوة ولم تكسبه السياسة، وجنى على وطنه.

توفي يوم السبت 5 مارس 2016 أثر تعرضه لوعكة صحية طارئة نقل على أثرها إلى غرفة العناية المركزة باحد مستشفيات الخرطوم.

س.ي

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت