أزمة الهوية التركية والخطر القادم من الشمال
04/12/2017 [ 13:39 ]
الإضافة بتاريخ:
أزمة الهوية التركية والخطر القادم من الشمال
الكرامة برس- وكالات- حاولت تركيا بشكل دؤوب، وبمختلف مؤسساتها الحاكمة على مدى العقود الماضية، أن تتقدّم نحو الغرب بشخصية جديدة، بما في ذلك محاولات الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، التي كانت الأفشل في تاريخ بلاد الأناضول، في الوقت الذي نجحت فيه السياسة الخارجية التركية بتوتير العلاقات مع مختلف الجوار ومعظم دول العالم بسرعة قياسية.

حاول الأتراك كثيراً تحقيق مصالح خاصة ومكانة دولية يتطلعون إليها على حساب تاريخ رغبوا بالخروج منه والتنصّل من آثاره، وذلك على العكس من النجاح الكبير الذي حققته بعض الدول العربية وفي مُقدّمتها دولة الإمارات، التي باتت اليوم تحتل مكانة عالمية مرموقة على كافة الأصعدة بفضل اعتماد تطوّرها الحضاري وعلاقاتها الدولية المُتفرّدة على ثقافة أصيلة حافظت عليها وعُمق عربي إسلامي لم تتخلّ عنه أبداً.

دخلت العلاقات التركية الأمريكية، والتركية الأوروبية، والتركية العربية، اليوم في مرحلة مخاض عسير ومفترق طرق، ولا يُمكن وصف ذلك بأنّه مُجرّد فتور عابر في العلاقات، بل هي مشكلات جذرية معقدة، تُنذر بخطر كبير قادم من الشمال.

بالنسبة للعلاقات العربية التركية، فاتصفت على الدوام بالتشكيك العميق من جانب تركيا نفسها، حيث أنّ علاقاتها مع العرب لم تكن وديّة في يوم من الأيام، بل كانت في الغالب باردة، والواقع أنّ صانعي القرار الحاليين في أنقرة لم ينظروا إلى العرب بوجه عام إلا من مُنطلق الهيمنة والرغبة باستعادة أحلام إمبراطوريّتهم العثمانية، وقيادة العالم الإسلامي وفق مصالح تركية بحتة.

من جهة أخرى، ورغم كل ما قدّمته تركيا من إصلاحات وتنازلات للغرب، إلا أنها تبقى غير مقبولة من الاتحاد الأوروبي حتى اليوم، لأسباب مختلفة أهمها على الدوام مسألة حقوق الإنسان، وتكفي الإشارة إلى أنّ أكثر من 100 ألف شخص فقدوا وظائفهم في عمليات التطهير والاعتقال، التي جرت في القطاع الحكومي والجيش ومؤسسات أخرى بتركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) 2016.

وإن كانت تركيا في موضع رضا سابقاً من قبل الولايات المتحدة، فإنها أنها تمر اليوم بأسوأ حالاتها بدءاً من الدعم الأمريكي للأكراد، واحتضان المُعارض التركي غولن، ووصولاً لمحاكمة التاجر التركي الإيراني رضا ضرّاب الذي بات يُشكل أسوأ كوابيس الحكومة التركية.

بالفعل، هناك أزمة في الهوية التركية، بمعنى هل هي مسلمة، شرق أوسطية، أم علمانية، أوروبية، هذه الأزمة تنعكس بالفعل على الأمن القومي العربي بكافة جوانبه، كون تركيا جارة مهمة للدول العربية.

ويمكن فهم هذه المسألة بسهولة في ضوء الأوضاع الداخلية في تركيا، فالحقيقة المحورية مرتبطة بطبيعة الدولة التركية التي أنشأها كمال أتاتورك، حيث أنّ هناك انفصالاً أصبح موجوداً بين النخبة الحاكمة في تركيا التي تقبض بكل قوة على مقاليد الأمور، وبين قطاعات مهمة من الجماهير المحكومة.

توجهات أتاتورك
وتحاول الطبقة الحاكمة في تركيا اليوم الابتعاد في كل توجهاتها عن مبادئ الجمهورية التي بناها أتاتورك، فهي تريد استعادة أمجاد الماضي من خلال الإسلام السياسي، وبمعنى أدق الإسلام المُتشدّد الذي لا يتقبل الآخر، وبالتالي تأسيس "خلافة إسلامية" جديدة من خلال التدخل في شؤون معظم الدول العربية، ودعم تنظيم الإخوان وغيرها من الحركات الدينية المتطرّفة.

بينما في المقابل، فإنّ معظم الشعب التركي توجهاته غربية علمانية، يتمسّك بالإسلام المُعتدل، ويعتقد أنّ خلاص تركيا وتقدمها مرتبط أولاً وأخيراً بالإخلاص للتقاليد الكمالية الأتاتوركية، وبأفضل العلاقات مع دول الجوار.

في الحقيقة، فإنّ الطريق الذي أدى بتركيا إلى تشكيلتها المُحيّرة يعود إلى بدايات التحديث في القرن التاسع عشر، فكانت الإمبراطورية العثمانية في فترتها الكلاسيكية تتميز بهيكل دولة شديدة المركزية، وبرزت العديد من التحدّيات المحلية والغربية التي عجلت بحدوث التحوّل السياسي للدولة العثمانية.

وشهدت تلك الفترة التي انصرمت بين إصلاحات التنظيمات وبين فترة تركيا الفتاة، ازدياد قوة السلطة المركزية في المناطق التي ظلت داخل الإمبراطورية، على حين وقع الباب العالي في نفس الوقت وبصورة تدريجية تحت السيطرة السياسية للقوى العالمية الجديدة.

ومعروف أنّه في العام 1923، قامت الجمهورية التركية الحديثة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك مع نخبة من رجالاته، فوجد هؤلاء أن تركيا تحتل موقعاً متميزاً للغاية بين بلدان العالم الثالث، ولا بدّ من الانسلاخ عن تلك الدول.

وقبل أن يصبح نضال التحرير أمراً شائعاً، كان قادة تركيا يعلنون جمهورية علمانية في دولة قومية أقيمت إلى حد كبير وفقاً للخطوط التي طرحها مُنظرو الثورة الفرنسية العام 1789، ومع ذلك فإنّ هذا النضج السياسي المبكر لم يغير كثيراً من الطابع المتخلف والهامشي للمجتمع التركي آنذاك.

تاريخ سياسي "منفرد"
ولاحقاً، اتبعت تركيا نمطاً شائعاً في أكثر بلدان العالم سواء كان نمط الانفتاح على التيارات العالمية، أو نمط التدخل في الدول، وبالإضافة لذلك فإنّ تركيا أصبحت اليوم منفردة في تاريخها السياسي، فهي تفخر بوجود حزب إسلامي قوي بما يكفي لتحدّي المعارضين في الشارع، وللحصول على عدد كبير من الأصوات في الانتخابات البرلمانية، بما يُخوّل الطبقة الحاكمة لإجراء أيّة تعديلات دستورية وفق مصالحها، وتحريك الدمى على مسرح الأحداث في الشرق الأوسط.

وبالتأكيد فإنّ التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط والتبدلات العالمية أثرت في سياسة تركيا الداخلية وفي مُجتمعها، وأيضاً في الخطاب السياسي الخارجي التركي، والظاهر أن هذه المتغيرات أسهمت في إعادة النظر في الاستراتيجيات التركية وخاصة فيما يتعلق بدول الجوار الجغرافي، والتي لا تنظر لها أنقرة إلا في إطار الرغبة في الهيمنة، وليس من خلال علاقات حُسن جوار تحكمها مواثيق الأمم المتحدة.

من المفترض أنّ عوامل الجيرة والدين والتاريخ والثقافة المشتركة بين العرب والأتراك، يجب أن تشكل الأرضية الصالحة لبناء أفضل العلاقات العربية التركية، لكنّ نيات تركيا تجاه مستقبل المنطقة أصبحت ظاهرة للعيان، وهي تشكل خطراً على منطقة الشرق الأوسط لا يقل درجةً عن الخطر الإيراني الذي يتربص هو الآخر منذ سنوات بالمنطقة، بل إنّ الخطران القادمان من الشرق والشمال يلتقيان في مصالح مشتركة كثيرة.
 
___
ع.م
 
التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت