الأحزاب الدينية العربية.. مشاريع دول بجيوش بديلة
04/12/2017 [ 18:43 ]
الإضافة بتاريخ:
الأحزاب الدينية العربية.. مشاريع دول بجيوش بديلة

الكرامة برس- وكالات- تعيش الدول العربية تغيّرات على نطاق واسع، من خلالها يمكن تحديد مسار المرحلة المقبلة على مستوى كل دولة، ومعرفة سياق تغيّر الأهداف القومية، وتراجع المشترك لصالح الفردي، ناهيك عن أن التغيّرات الحالية بدت مؤثرة في محيط العرب الإقليمي، وفي مواقفهم الدولية، ومع أنها شملت مختلف مجالات الحياة إلا أن بدايتها ونهايتها هما الصراع حول السلطة، بغض النظر عن المبررات والمداخل والأسباب والتوجهات والرؤى.

وعلى نحو غير مسبوق، تشترك مختلف القوى في التغيير، لذلك لم يعد مطلبا أو مسعى من الأسفل إلى الأعلى، وإنما واقع عملي من الأعلى باتجاه الأعلى، أي من داخل السلطة نفسها، وتجربة المملكة العربية السعودية في محاربة الفساد خير شاهد على ذلك، ويعول كثيرون على هذا النوع الأخير من التغيير لأنه مدروس، ولأنه غير متروك لفوضى الشارع، أو مطامح الأحزاب المتربصة بالسلطة، والتي تحالفت، في حالات بعينها، مع أطراف خارجية على حساب مصالح الدولة الوطنية، إضافة إلى أن التغيير من داخل السلطة يبعد الدولة عن سيطرة الأحزاب الدينية، التي تحوّلت في بعض الدول إلى ميليشيات مسلحة، وبذلك أصبحت تمثل أكبر خطر، وهي تسعى اليوم لتكون بديلا عن الجيوش النظامية.

إن تحول الأحزاب الدينية إلى ميليشيات تقاتل الدولة لم يكن واردا لدى صناع القرار في الوطن العربي، من الناحية الظاهرية على الأقل، والعمليات الإرهابية التي وقعت في مصر إلى درجة أنها تمكّنت من اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، وقوبلت برد فعل عنيف من السلطة، أو تلك الأخرى التي وقعت في سوريا، وأدّت إلى رد فعل من النظام في ما عرف بمجزرة حماة، لم تكن في رسائلها تهدف، أو هكذا فهم في وقتها، إلى تمكين الجماعات بقوة السلاح، لتحل مكان الجيش كما نرى اليوم في بعض التجارب، صحيح أنها كانت ترى في المؤسستين الأمنية والعسكرية عدوين لدودين، كونهما تحميان النظام القائم، لكنها كانت تراهن على أن الوقت سيساعدها لكسب المعركة، وأقصى ما كانت تحلم به، هو أن تتمكّن من اختراق الجيوش، وإيجاد مساحة واسعة للمتعاطفين معها ومن ثم العمل على تجنيدهم.

الحرب المقبلة ليست فقط ضد الإرهاب، ولكن معه ومع الأحزاب الدينية التي تعمل على تكوين دول بمواصفات خاصة

وبانتهاء الحرب الأفغانية ضد الوجود الروسي، عاد المجاهدون العرب، الذي ذهبوا إلى الجهاد في أفغانستان بدعم مادي وبشري من دول عربية كثيرة، فوجدوا أن الوقت مناسب لتحويل العمل السياسي للأحزاب الدينية التقليدية إلى عمل عسكري، وهكذا وجدنا بعد سنوات قليلة من انطلاق تجربة التعددية الحزبية في الجزائر، واعتماد أحزاب إسلامية، ظهور جماعات مسلحة متفرقة، والأكثر من هذا تكوين الجيش الإسلامي للإنقاذ، الذي قوامه 70 ألف مقاتل حسب بعض المصادر غير الرسمية، وكان هدفه إسقاط النظام الجزائري، ولم يُقْض عليه، وإنما وصل قادته إلى صفقة مع النظام تخلّوا بموجبها عن العمل العسكري، في إطار عفو عام حال دون محاسبتهم عن جرائمهم.

وإذا كانت الجزائر قد تمكّنت من إنهاء وجود جيش أو جماعة إسلامية تهدد كينونة الدولة بشكل مباشر لأسباب كثيرة، منها الحسم العسكري المكلف، ورفض التدخل الخارجي، وعدم تبعية الجماعات الإرهابية لقيادات أو قوى خارجية، وغياب الاختلاف المذهبي أو الطائفي وغيرها من الأسباب، فإن دولا أخرى قد عجزت على ذلك، كما هو الأمر في اليمن، إذ تمكّن الحوثيون، أنصار الله، منذ نشوء جماعتهم من تحويل المطالب المدنية المتعلقة بالمظالم إلى استيلاء على السلطة، بل إنهم طوُوا نظام علي عبدالله صالح بعد ربع قرن من العمل المتواصل، وبتحالفه معهم أصبح الجيش النظامي السابق في خدمة أهدافهم المرتبطة بالمصالح الإيرانية.

وهكذا حلّت جماعات كانت إلى وقت قريب معادية للدولة والجيش إلى قائدة بقوة السلاح، ما يعني تشكيل جيش جديد بعقيدة مخالفة لقناعات الدولة الوطنية، وما بقي من حُماة لتلك القناعة يعملون من أجل استعادة الشرعية، وهذا يتطلب إنشاء جيش جديد، وهو ما يحدث حاليا، ولتكوين جيش نظامي قادر، كالذي عرفته اليمن قبل استيلاء الحوثيين على الدولة، لا بد من الانتظار وقتا طويلا.

وعلى نفس السياق تسير الأمور في لبنان، فمنذ 1982، تاريخ إنشاء حزب الله، بدعم إيراني لمواجهة إسرائيل، وإلى غاية الآن، يحلّ الجناح العسكري لحزب الله بديلا على الجيش اللبناني، وهو الذي يتخذ قرار السلم والحرب، وهذه الحالة فريدة من نوعها قي العالم، وقد كشفت الحرب في سوريا خلال السنوات الست الماضية اتّخاذ حزب الله لقرارات مخالفة لمصالح الدولة اللبنانية، وذلك حين شارك في تلك الحرب داعما للجيش العربي السوري دون موافقة من الأطراف السياسية الفاعلة على الساحة اللبنانية، بما فيهم المتحالفون معه.

المدهش أن النظام السوري استعان بالعشرات من الميليشيات الشيعية القادمة من العراق، ومن أصقاع أخرى بعيدة، مثلما استعان بروسيا وإيران، وهو من الناحية العملية لا يختلف عن الجماعات الإرهابية- السنية تحديدا- التي تحاربه، أي أن وجود الميليشيات الشيعية وروسيا وإيران إلى جانبه يعتبر بديلا لحلول جيوش أخرى تتحكم في مصير الدولة السورية مستقبلا.

إذا أردنا أن نتعمّق في فهم التغيّرات الحاصلة في الدول العربية لجهة نشوء جيوش بديلة، علينا دراسة التجربة العراقية، حيث أن الحرب على داعش دفعت العراقيين إلى التطوّع بالآلاف ضمن الحشد الشعبي استجابة لفتوى المراجع الدينية، وليس نتيجة للدفاع على الوطن من خطر الجماعات الإرهابية، بدليل تحالف الحشد الشعبي مع إيران لمحاربة داعش. المهم بدل أن تتم تقوية الجيش العراقي، أوجدت الأزمات المتتالية جيشا جديدا ينافس الجيش العراقي النظامي.

نحن أمام وضع جديد تتحكم فيه الأحزاب الدينية، التي تؤسس لنفسها مساحة اعتراف بالقوة العسكرية، لأنها بديل غير معترف به عن الدولة الوطنية ومؤسستها بما فيها الجيش، والحرب المقبلة ليست مع الإرهاب من حيث هو مصدر للخوف، ولكن معه ومع الأحزاب الدينية التي تعمل على تكوين دول بمواصفات خاصة، الحسم فيها لصالح القوة العسكرية.

س.ي

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت