كيف التخلص من الإسلام السياسي دون القضاء على الديمقراطية
04/12/2017 [ 18:48 ]
الإضافة بتاريخ:
كيف التخلص من الإسلام السياسي دون القضاء على الديمقراطية

الكرامة برس- وكالات- هذا هو سؤال الأسئلة اليوم في كافة المجتمعات ذات الغالبية المسلمة. لعل التجربة المصرية في محاولتها التخلص من الإسلام السياسي على حساب الهامش الديمقراطي قد أفضت في نهاية الأمر إلى استفحال نزعة التكفير والتحريم وإن بأقنعة مغايرة وشبه رسمية هذه المرة، وإلى درجة أن الحاكم العسكري نفسه أصبح مرتهنا لمؤسسات دينية استولت على ميراث التكفير الذي تركه تلاميذ حسن البنا، وقد رفعت سقف التكفير عاليا من باب المزايدة السلطوية على الجميع، على الإخوان، على السلفيين، وعلى السلطة نفسها.

أما بعد، فالآن، أكثر من أي وقت مضى، كل المجتمعات ذات الغالبية المسلمة معنيّة بالسؤال. لكن من باب أولى، ومن باب الأولويات أيضا، يمكننا أن نرى بأن تونس أولا، وقد نرجح بأن المغرب ثانيا، مع احترام الفارق، معنيان بالسؤال المطروح على كل مجتمعات المنطقة: كيف نتخلص من الإسلام السياسي دون أن نقضي على الديمقراطية إن وجدت، أو نجهز على الهامش الديمقراطي إن وجد؟

ضمن الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي كانت هناك أسطورة تزعم بأن الهامش الحداثي المتوفر في العديد من دول العالم الإسلامي، لا سيما في الدول ذات الهامش الحداثي الواسع مثل تركيا وتونس، لا يعدو أن يكون هامشا تغريبيا وتسلطيا في آخر المطاف: فهو هامش تغريبي طالما فُرِض من طرف الغرب الاستعماري أو الصليبي؛ وهو هامش استبدادي طالما تحميه الدكتاتوريات الوطنية أو العسكرية.

الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي تزعم أن الهامش الحداثي في العالم الإسلامي لا يعدو أن يكون هامشا تغريبيا وتسلطيا

من ثمة كان الاعتقاد بأن قانون الأحوال الشخصية في تونس على سبيل المثال، والذي يعدّ بمثابة قانون الأسرة الأكثر حداثة في العالم الإسلامي، قد فرضه بالقوة دكتاتور "عميل للغرب"، وهو لذلك السبب فاقد للشعبية وفاقد للشرعية، ولا يعبّر عن إرادة الشعب التونسي "المسلم"، كما لا يعبّر عن الهوية والثقافة التونسية، وبلا شك فإنه سيسقط من تلقاء نفسه إذا ما سقط التسلط "التحديثي- التغريبي" في يوم من الأيام. وهكذا كانت تُنسج إحدى أهم الأساطير المؤسسة للإسلام السياسي.

فجأة، جاء اليوم الذي سقط فيه ذلك الاستبداد "الملعون"، فانتظر الإسلام السياسي سقوط قانون الأحوال الشخصية "البورقيبي" و"الفاقد للمشروعية الشعبية"، بل عمل على إسقاطه جاهداً ومستعيناً بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، بل اعتبر إسقاطه أمّ المعارك؛ لأنها معركة الدليل الأكبر على أن "الشعب التونسي المسلم" يرفض الحداثة أو الهامش الحداثي الذي فرضه الاستبداد العلماني.

في الحقيقة لم يكن إسقاط قانون الأحوال الشخصية التونسي رهان الإسلام السياسي التونسي وحده، بل كان رهان الإسلام السياسي في العالم برمته، وكان مدعوما من جهات إقليمية ودولية لها حساباتها الخاصة. من هنا نفهم زخم الشيوخ المشارقة والخليجيين الذين حجّوا إلى الديار التونسية إبان حكم الترويكا، آملين في إعداد العدّة لعودة شريعة العصر الوسيط، شريعة الفقهاء، والتي ستكون لها الغلبة والتمكين بعد زوال الحكام "المغرمين بالحضارة الغربية"، مثلما زال شاه إيران من قبلهم. هكذا كانت أحلامهم، أو بالأحرى كوابيسهم، غير أن سعيهم قد خاب في الأخير.

الذي حدث هو أن المجتمع المدني بقيادة المرأة التونسية المعتزة بكرامتها الإنسانية، لم يتمكن فقط من تحصين المكتسبات الحداثية، لا سيما بالنسبة للمساواة ومدونة الأسرة والحريات الشخصية، وإنما بدأ يحاول تحقيق مكتسبات جديدة، من قبيل النقاش الدائر اليوم حول المساواة في الإرث، والذي يجري هذه المرة في غياب الدكتاتور "الحداثي" الذي كان يُستدلّ بوجوده لادعاء أن الهامش الحداثي ليس أكثر من تسلط على رقاب الشعوب المسلمة والمغلوب على أمرها.

إن خسارة الإسلام الأصولي لمعركة قانون الأحوال الشخصية في تونس لتعني خسارته لأول قلعة قانونية حاول استردادها وقد استهان بالمهمة، وذلك بعد أن خسر قبل ذلك القانون الجنائي الذي خرج في معظم البلدان الإسلامية من طوق شريعة الفقهاء، فضلا عن قوانين تنظيم التجارة أيضا وغيرها من سائر القوانين، لكن الإسلام السياسي يظن بأن استردادها لن يأتي إلا بعد زمن معيّن عن استرداد قوانين الأسرة والأحوال الشخصية، والتي كان يظنها المعركة الأكثر سهولة طالما غالبية قوانين الأسرة في دول العالم الإسلامي لا تزال بنسب متفاوتة خاضعة لأحكام الفقه القديم. وبهذا المعنى يكون الإسلام السياسي قد انتقل من موقع هجومي على أولى القلاع التشريعية، قوانين الأسرة، إلى موقع يدافع فيه فقط على نفسه وعلى حقه في البقاء.

إسقاط قانون الأحوال الشخصية التونسي لم يكن رهان الإسلام السياسي التونسي وحده، بل كان رهان الإسلام السياسي في العالم برمته، وكان مدعوما من جهات إقليمية ودولية لها حساباتها الخاصة

تونس اليوم هي البلد الوحيد في العالم الإسلامي حيث يندرج الإصلاح الديني ضمن فضاء النقاش العمومي، وذلك بقيادة النخب الجامعية والإعلامية والمدنية التي تتسم بقدر كبير من الحكمة والثقافة والذكاء، فضلا عن الروح الوطنية المكافحة. شابات وشباب تونس من الجيل الجديد بالعشرات، بدأوا يحتلّون موقع الريادة في مجالات علم الأديان المقارن، والقدرة على تطبيق المناهج الحديثة على النصوص الدينية. بل بوسعنا القول بأن الدراسات التونسية التي أُنجزت في السنوات الماضية قد فرضت نفسها كمرجع لا محيد عنه لمن يبتغي أن يجعل من الدين موضوعا للمعرفة العلمية بدل التقوقع الدوغمائي والتعصب الطائفي، والتغوّل الفتنوي الذي يهدّد معظم المجتمعات ذات الغالبية المسلمة.

تمثّل تونس اليوم رهانا كبيرا وحاسما بالنسبة لكافة مجتمعات العالم الإسلامي. يتعلق الأمر برهان ألاّ يكون التحديث مجرد حالة يفرضها الحاكم "المتنور والشجاع" على الشعب "المغرر به"، وإنما تكون الحداثة مطلبا للشعوب نفسها، وذلك حين تجد الشعوب نخبا متنورة قولا وعملا، وصدقا وإخلاصا، وحين تجد الحداثة أيضا فاعلين سياسيين يمتلكون الرؤية الوطنية والنزاهة الأخلاقية.

ذات مرة، في إحدى المناسبات، سمعت رئيس الوزراء في عهد حكومة الترويكا، حمادي الجبالي، يردد عبارة يقول فيها "نكبتنا في نخبتنا". لا أعرف إن كان هو قائلها في الأصل أم أنه كان يردد قولا قاله سواه، لكن أيا يكن الأمر فالحقيقة أن الرجل قد صدق وأصاب كبد الحقيقة بالتمام، صدق إلى درجة لا يتصورها هو بنفسه.

أي نعم يا سيد حمادي الجبالي، فإن سبب النكبة التي أصابت الإسلام السياسي التونسي هو النخبة التونسية المتنورة، والتي تصدت بكفاءة عالية لغزو المتطرفين، وحمت تونس من جحيم الفتنة التي أحرقت معظم مجتمعات ما بعد الربيع. لذلك السبب، ولذلك السبب بالذات، صدقتم في اتهامكم لنخبتكم بأنها سبب نكبتهم.

تلك النخبة تعمل اليوم بواسطة الفكر والثقافة والفن على تفكيك بنية التطرف والإرهاب، وسط محيط إقليمي بالغ الصعوبة والخطورة، وكل ذلك دون أن تُجهز على الديمقراطية الناشئة، أو هكذا تحاول. لعله تحد كبير وغير مسبوق، لكنه رهان تاريخي أيضا بالنسبة لكل شعوب المنطقة.

س.ي

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت