عن إدارة ترامب والمذبحة
21/05/2018 [ 12:09 ]
الإضافة بتاريخ:
راسم المدهون
عن إدارة ترامب والمذبحة

لست من الذين يفسرون السياسة تفسيراً شخصياً يتعلق بسلوك هذا السياسي أو ذاك، فالسياسة تقوم على المصالح وتخدمها. مع ذلك، أرى كثيراً من الدوافع والأسباب الفردية، الشخصية وحتى النفسية، تساهم بقسط كبير في قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصاً في سياساته الخارجية.


ترامب، عموماً، يتعمد في سياساته الخارجية كلها أن يكون لقراراته طابع كيدي يضمن إثارة غضب الآخرين بل حتى حنقهم واستياءهم. يلفت انتباهي كثيراً حرصه في صورة دائمة على عرض ما يوقعه من قرارات على الشاشة، كما فعل عند توقيعه قراره الخاص بمدينة القدس، ثم قراره الأخير الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. لا ننسى بالطبع حرص ترامب منذ اليوم الأول لوجوده في البيت الأبيض على هجاء قرارات سلفه باراك أوباما الى الحد الذي يجعل المراقب يتوقع له أن يتخذ قرارات تكون بالضرورة عكس ما اتخذه أوباما.

هل قرار الاعتراف بالقدس «عاصمة أبدية لإسرائيل» ونقل السفارة الأميركية اليها يحتاج حقاً لشجاعة استثنائية لم تتوفر لجونسون ونيكسون وفورد وكارتر وريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما، بحيث أحجموا عن اتخاذه على رغم أنهم جميعاً كانوا يرتبطون بسياسة بلادهم المعروفة تقليدياً بانحيازها المطلق لإسرائيل، وقد قدموا لها جميعهم أحدث ما تنتجه مصانعهم العسكرية فضلاً عن الدعم المالي والاقتصادي والسياسي والديبلوماسي اللامحدود؟

هي ظاهرة باتت لافتة لانتباه المتابع، وهدفها الأهم، على ما أعتقد، ربط السياسة – خصوصاً في قراراتها الأهم – بالشخص وبصماته الشخصية بالقدر الذي يمنحه التميز والفرادة، وهي مع دونالد ترامب ترتفع الى حالاتها القصوى فتذهب نحو كل ما هو أشد فجاجة وأكثر استفزازاً للآخرين.

في حفل نقل السفارة الأميركية، ارتكبت دولة «القدس عاصمة أبدية» مذبحة كبرى سقط خلالها عشرات القتلى وآلاف الجرحى من دون أن يرفّ للمحتفلين جفن، ناهيك بإدانة المذبحة وإدانة مرتكبيها. لا يحدث ذلك بسبب من الشجاعة الاستثنائية التي يتمتع بها ترامب، ولكن بسبب قراءته ومشـــاهدته انهيار الحالة العربية على نحو غير مسبوق يرى خلاله الساسة الأميركيون أن كل ما يفعلونه ممكن ولا يواجه رفضاً عربياً فاعلاً يوقفه عند حده، أو على الأقل يكبح اندفاعه.

هي حقيقة حال العرب في زماننا الراهن وارتهانهم للقوة الأميركية الغاشمة والخارجة من زمن المساومات التكتيكية السابقة وما فيها من مراوغات الى زمن القرارات الفجة، المباشرة في صلافتها والتي تتلخص في عنوان واضح لا لبس فيه هو التطابق الكامل بين ما تريده الولايات المتحدة وما تريده إسرائيل.

يصعب على قارئ السياسة الأميركية اليوم العثور على فارق من أي نوع أو لون بين نهج الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط ونهج حكومة الاحتلال، وقد يبدو غريباً وشاذاً حرص إدارة ترامب على الالتصاق بسياسة الاحتلال وجرائمه الوحشية والعمل على حماية تلك الجرائم حتى من الإدانة الدولية في مجلس الأمن وغيره من المحافل. سقوط ستين في مذبحة غزة لا يبدو بالنسبة إلى الإدارة الأميركية أمراً يستحق الاستنكار، فكل اهتمام تلك الإدارة هو في إدانة الضحية وتوجيه التهديد لها.

تلك سياسة تحفر بالضرورة مساراً مختلفاً في وعي الفلسطينيين والعرب لا بد أن يكون بعيداً من إدارة ترامب وسياستها الفاشية العنصرية. فالقضية اليوم ليست شأناً ثانوياً عابراً يمكن التعايش معه أو التهاون تجاهه. مذبحة غزة الجديدة تفترض افتراقاً بيّناً عن كل النهج السياسي الفلسطيني التقليدي، الفاشل والعاجز ومعه الأطر السياسية والتنظيمية التي تمثله والتي باتت عناوين بائسة لمراحل سياسية تنتمي إلى الماضي.

 

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل ستذهب حماس بإتجاه الإستمرار في التصعيد يوم الجمعة القادم في ضوء التصعيد الإسرائيلي ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت