البعد القبلي داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا
09/08/2018 [ 09:57 ]
الإضافة بتاريخ:
البعد القبلي داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا

-الكرامة برس- القاهرة - تشكل القبلية في أفريقيا أحد أبرز مداخل التأثير على مفردات المشهد بشكل عام، لذلك سعت التنظيمات الإرهابية والمتطرفة إلى محاولة التغلغل داخل المكونات القبليَّة بهدف استغلال خبرة القبائل التي تنتشر في المناطق الحدوديَّة الهشة، وذلك لتهريب مقاتلين أو التعامل مع جماعات الجريمة المنظمة؛ بهدف خلق مصادر تمويل لعملياتها، أو من خلال السعي لاعتبار القبائل حواضن اجتماعية تمد التنظيمات الإرهابية بمقاتلين جدد يتم استقطابهم.

 غير أن تجذر القبلية في الواقع الأفريقي جعل اتجاهات عديدة تعتبرها حائط صد أمام تغلغل هذه التنظيمات في العمق الأفريقي، نظرًا لقدرة القبيلة على فرض أعرافها وقيمها، ووجود رموز لها يطلق عليهم العواقل أو المشايخ يمتلكون القدرة على فرض سطوتهم على أبناء القبائل، بما جعلها أقرب إلى دعم الدولة في مواجهة تنظيمات الإرهاب والتطرف التي انتشرت في مناطق أفريقية متنوعة.

 وبرغم ذلك فإن تحالفات بعض القبائل المنتشرة في المناطق الأفريقية مع عدد من التنظيمات المتطرفة بدأت في التشكل مع تزايد هذه التنظيمات وانقسامها وتكاثرها ومحاولة نشر أفكارها داخل البيئات الأقل حظًا في التنمية، وبالتالي وجدت فى المجتمعات الأفريقية ملاذًا آمنًا لتحقيق مخططاتها، وهو الأمر الذى تجلى في علاقة الطوارق في مالي بحركة تحرير أزواد، والروابط الوثيقة بين حركة بوكو حرام النيجيرية وقبائل الهوسا، حتى يكاد يكون معظم أفراد الجماعة وقياداتها من الهوسا، والعلاقة بين إمارة الصحراء الكبرى التابعة للقاعدة، وقبائل البرابيش، وبين حركة أنصار الدين، وعدد من المنتسبين لقبائل العرب والطوارق في إقليم أزواد بمالي، فضلًا عن أن قبائل الفولاني مثلت الحاضنة لجبهة تحرير ماسينا والتي تشكلت على أسس قبلية.

 وقد أسهم عجز الدول الأفريقية عن إدماج العديد من القبائل والطوائف والعشائر التي تعيش في المناطق الممتدة من صحراء ليبيا إلى تخوم نيجيريا ومن حولها، مرورًا بمالي، في تمكين الجماعات الإرهابية من النمو في محيط خال من التحديث والتنمية، فانتشر وباء تفريخ المتطرفين داخل بعض القبائل وانخرط أبناء عدد منها في التعامل والتفاعل مع أفرع التنظيمات الإرهابية التي انتشرت في عدد من الدول الأفريقية.

 تأسيسًا على ما سبق تحاول الدراسة الإجابة على تساؤل محوري مفاده إلى أي مدى شكل البعد القبلي عاملًا مؤثرًا داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة التي انتشرت في أفريقيا مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة بوكو حرام، وحركة الشباب الصومالية، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وفروع تنظيم داعش في عدد من الدول الأفريقية خاصةً فى منطقة الساحل والصحراء.

ويتفرع من التساؤل المحوري عدد من الأسئلة الفرعية المكملة وهي:

1- إلى أي مدى تعتبر القبائل الأفريقية حواضن اجتماعية للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة، أم أنها شكلت عائقًا أمام تغلغل هذه التنظيمات داخل الدول الأفريقية؟

 2- ما هي أسباب بروز المكون القبلي داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا؟

 3- ما هي أنماط التحالفات القبلية مع التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا؟

 - 4ما هي السياسات الأفريقية سواء على مستوى الدولة والمجتمع لفكِّ الارتباط بين القبيلة والإرهاب؟

 وتنقسم الورقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، الأول: يتناول أسباب بروز المكون القبلي داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا؛ فيما يتناول المحور الثاني أنماط التحالفات القبلية مع التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا، ويتناول المحور الثالث والأخير، السياسات الأفريقية لفك الارتباط بين القبيلة والإرهاب.

أولًا: أسباب بروز المكون القبلي داخل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا

أسهمت العديد من العوامل في بروز المكون القبلي كأحد الحواضن الاجتماعية التي استغلتها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في أفريقيا، ويمكن إبراز أهم هذه العوامل في التالي:

1- التهميش السياسي والاقتصادي:

لا يمكن عزل تمدد الجماعات الإرهابية عن عوامل التهميش السياسي والاقتصادي والصراعات القبلية والإثنية في كثير من الدول الأفريقية التي فشلت حكوماتها بعد الاستقلال في استغلال مواردها الطبيعية الاستغلال الأمثل، بما جعلها تخفق في احتواء النزاعات الداخلية التي تم توظيفها من قبل التنظيمات الإرهابية للتغلغل داخل المناطق التي تعاني من التهميش والفقر؛ فعلى سبيل المثال تعد نيجيريا أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، إلا أن غالبية سكانها وبخاصة في الشمال تقع تحت خط الفقر، وهو الأمر الذي شكل بيئة حاضنة للترويج لأفكار جماعة بوكو حرام، التي لم تقتصر فقط في استقطابها لعناصر جديدة على الداخل النيجيري بل امتد إلى دول مجاورة شكلت أيضًا هدفًا لعملياتها.

 كما مثل الفشل السياسي والتهميش الاجتماعي ونقص خدمات التعليم وندرة الفرص الاقتصادية وعجز حكومات دول الساحل الأفريقي على فرض سلطتها خارج المدن الرئيسية، بما أدى إلى تفشي جرائم الاتجار بالبشر والمخدرات وتهريب السلاح في المناطق الحدودية والهشة، بما مكن تنظيم مثل القاعدة من استغلال تلك الثغرات والتنقل في مناطق سيطرة القبائل، وعقد تحالفات معها، ومنها على سبيل المثال الاستعانة بقبائل الطوارق وقبائل أزواد المتمردة على الحكم في مالي، كما استغل التنظيم الأوضاع المتردية في الدول الأفريقية جنوب الصحراء ليتغلغل وينتشر بين المجتمعات القبلية الأفريقية في كل من السنغال والسودان وشمال تشاد وأفريقيا الوسطى، وكينيا، وأوغندا.(1)

-2 التشابك بين الأبعاد القبلية والتطرف الديني:

شكل ضعف الدولة الأفريقية وهشاشتها لاسيما في المناطق الحدودية التي تعاني من غياب الأجهزة والمؤسسات الأمنية أحد العوامل التي ساعدت على تنامي الارتباط ما بين الجماعات الإرهابية، والقبائل الأفريقية، وهو الأمر الذي جعل اتجاهات عديدة تصف الإرهاب في أفريقيا بـالإرهاب الهجين الذي تتجاوز ملامحه الفهم المختزل للتنظيمات الجهادية، إذ لا تهدف الأنشطة الإرهابية إلى تحقيق غايات دينية وهوياتية فحسب، ولكنها تتشابك أيضًا مع الهيمنة القبلية.

 ولعل تحالف جماعة أنصار الدين بقيادة «إياد أغ غالي»، مِن قبيلة «الإيفوغاس» الطوارقية، مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عام 2012 عكس تشابك التطرف الديني مع العوامل القبلية في مالي، وبالتالي فإن بروز تنظيمات إرهابية، مثل: جماعة بوكو حرام في شمال شرقي نيجيريا، أو جماعة أنصار الإسلام في شمال بوركينا فاسو، أو الجماعات الجهادية في شمال مالي، جاء نتاج سياقات متداخلة من التهميش السياسي، والتنموي، والاجتماعي، ومأزق الهوية الدينية في هذه المناطق الأفريقية التي شهدت تعثر الدولة ما بعد الاستقلال (2).

 3- انتشار الفساد:

على الرغم من أن موارد الدول الأفريقية تتميز بالوفرة كالنفط، واليورانيوم، والذهب، والأراضي الزراعية الشاسعة وغيرها، فإن هذه الموارد تحولت على مدى عقود إلى أيدي نخب سياسية وقبلية بعينها، تحت وطأة الزبائنية السياسية، وهيمنة القبلية على مؤسسات الدولة الأفريقية، بل وكذلك انتشار نماذج للديمقراطية الهشة التي كرست ما أطلق عليه «جان فرانسو بايار»، «سياسة ملء البطون»، عندما يهيمن الفساد على مفاصل الدولة، وتغيب المساءلة الحقيقية، وتسيطر الأحزاب الحاكمة على البرلمان لمدد طويلة.

 يضاف إليه ما أفرزه الواقع من تمديد رؤساء أفارقة لولاياتهم الرئاسية، دون أن يعبؤوا كثيرًا بالمعارضات الهشة غير المؤثرة، هنا، تكمن المفارقة فعلى سبيل المثال تعد نيجيريا أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، في الوقت الذي لا يزال يرزح غالبية سكانها، خاصة في الشمال، تحت خط الفقر، وكذلك الأمر في حالتي مالي وبوركينا فاسو، اللتين استأثرت بمواردهما نخب قبلية جنوبية، على مدى الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال.

3- وهو الأمر الذى جعل المناطق القبلية التي تعاني من الإهمال في هذه الدول، وفي ظل انتشار الفساد تجعل من القبائل حواضن اجتماعية مواتية لتمدد التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

 4- التنافس بين التنظيمات الإرهابية:

بدأت أفريقيا تتحول إلى مسرح تنافس ممتد بين تنظيمي داعش والقاعدة، فبرغم الاختراقات التي حققها داعش في دول القارة، إلا أن تنظيم القاعدة لايزال يحظى بولاء العديد من التنظيمات المسلحة في أفريقيا مثل القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الشريعة في ليبيا وتونس، وحركة الشباب في الصومال، وجماعة المرابطين في شمال مالي وجنوب ليبيا (4)، ويعرف هذا التنافس تصاعدًا ملحوظًا بسبب عدم اعتراف أى من الطرفين بشرعية الطرف الآخر ومحاولة التفوق عليه، فقد اعتبر تنظيم داعش على لسان الناطق باسمه، «أبي محمد العدناني»، أن شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات في المناطق التي يمتد إليها سلطان الخلافة، تعتبر باطلة، وهو ما يعني تلقائيًا القول بعدم شرعية التنظيمات التابعة للقاعدة في أفريقيا بعد ظهور جماعات تابعة لداعش هناك، بينما يرى تنظيم القاعدة أن داعش مجرد فصيل منشق عنه، وأن خلافة البغدادي لا شرعية لها.

 لذلك انعكس التنافس بين القاعدة وداعش على كسب ولاء أبناء القبائل للانضمام إلى فروعهما، لاسيما أن داعش يسعى إلى إيجاد ملاذات بديلة بعد هزيمته فى معاقله الرئيسية فى سوريا والعراق بعد معركتي الرقة والموصل وإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادى عن تطهير الموصل من مقاتلي داعش.

 -5 رفض التدخلات الخارجية:

باتت الدول الإقليمية والدولية المؤثرة تلجأ إلى توظيف الوجود العسكري لحماية مصالحها ونفوذها في أفريقيا، ولعل أبرز مثال على ذلك عسكرة النفوذ الصيني، ويعد أحد الأسباب التي دفعت إلى هذا التغير هو خسارة الصين لاستثماراتها في ليبيا عقب تدخل حلف الناتو عسكريًا هناك، كما تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي 4 آلاف جندي من قوات المارينز وقاعدة للطائرات بدون طيار في جيبوتي، إضافة إلى منصات درونز، لدعم جهودها في مكافحة الإرهاب، سواء في منطقة القرن الأفريقي، أو في اليمن.

 كما تسعى فرنسا إلى تعزيز وجودها العسكري في غرب أفريقيا، وهناك تنافس دولي عسكري للوجود في الساحل الأفريقي، سواء من الولايات المتحدة عبر قاعدة أغاديز في شمال النيجر، أو إعلان إيطاليا إرسال قوة عسكرية إلى النيجر، أو حتى ألمانيا وبريطانيا اللتين تسعيان للتواجد، سواء في النيجر أو مالي عبر الدعم اللوجستي العسكري، في ظل ترابط مكافحة تهديد الإرهاب مع الهجرة غير المشروعة القادمة من أفريقيا إلى أوروبا (5)، وهو ما جعل من التدخلات الغربية في عدد من الدول الأفريقية عاجزة عن انتاج أنظمة حكومية قوية وقادرة على بسط نفوذ الدولة، بل إن اقتصار التدخل الغربي على القيام بعمليات عسكرية لمواجهة الإرهاب في أفريقيا فقط أدى إلى تأجيج النقمة على السلطة واعتبارها متخاذلة ومتحالفة مع «الكفار» وفق أدبيات التنظيمات الإرهابية وفى مقدمتها تنظيم القاعدة؛ لذلك وجدت بعض القبائل الأفريقية تبريرات لدعم الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي سعت لتوظيف خطابها الجهادي لكسب أكبر عدد من شباب القبائل الأفريقية.

ثالثًا: أنماط التحالفات القبلية مع التنظيمات الإرهابية والمتطرفة

اتخذت التحالفات القبلية مع التنظيمات الإرهابية أشكالًا وصورًا متعددة في أفريقيا، حيث ارتبط كل نمط بعنصر حاسم لتوظيف المكون القبلي؛ فالنمط الأول ارتبط بقيادات التنظيمات الإرهابية، وهو ما يعني وجود شخص ذي حيثية قبلية يتولى قيادة تنظيم إرهابي، وهو ما يدفع عدد من أبناء القبيلة وامتداداتها في دول مختلفة إلى الانضمام لمثل هذا التنظيم سواء من خلال الانصياع لهذه القيادة أو للحصول على مزايا للقبيلة التي ينتمي إليها.

 وربما تجسد حالة حركة أنصار الدين، التي أنشئت على يد «إياد أغ غالي» في مالي، وهو من أبناء أسر القيادات التاريخية لقبائل «الأفوغاس» الطوارقية التي قادت التمرد المسلح ضد القوات المالية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وبعد توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة المالية والمتمردين الطوارق عام 1992 عمل قنصلًا عامًّا لجمهورية مالي فى جدة، لكنه عاد إلى أزواد، واتخذ من سلاسل جبال «أغارغا» مقرًّا له، وعقب سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، فر المقاتلون الطوارق الذين قاتلوا بجانبه إلى إقليم الأزواد محملين بترسانة من الأسلحة، أغرتهم لإعلان التمرد على الحكومة المركزية فى «باماكو» تحت قيادة «إياد أغ غالي»، حيث أطلق على جماعته أنصار الدين، ورفع راية القاعدة السوداء مطالبًا بتطبيق الشريعة الإسلامية وإعلان الحرب على الحكومة المالية، والجيش الفرنسي الذى تدخل لوقف التمرد ضد الحكومة (6.(

 ويقع ضمن هذا النمط أيضًا جبهة تحرير ماسينا التى وصفت بالإرهاب القبلي، وتعد التنظيم المتطرف الأحدث في الصحراء الأفريقية الكبرى، والتي استمدت اسمها من إمبراطورية «ماسينا الفولانية» في القرن التاسع عشر وكانت امبراطورية شاسعة شملت مالي والسنغال ونيجيريا، وأصبحت عاصمتها مدينة حمد الله القريبة من موبتي التي اتخذت منها الحركة مقرًّا لها بوسط جمهورية مالي، وأعلنت الجبهة عن تأسيسها في بداية عام 2015، ويعد «أمادو كوفا» الزعيم الأبرز في جبهة تحرير ماسينا، وهو خطيب متشدد ولد في بلدة موبتي، وتلقى تعليمه الأولى في نفس البلدة التي ولد فيها، ثم عمل كمعلم دين لمدة تزيد على 50 عامًا وتمتع بشعبية كبيرة في مالي لإتقانه اللغة الفولانية التي استخدمها في إيصال أفكاره المتطرفة عبر إذاعة محلية كوسيلة للاتصال مع طائفته وعمل في بداية حياته في مجال تمويل «المنظمات الإنسانية»، ولم يكن يتبني أي أفكار جهادية حتى الفترة من عام 2001 إلى 2008، ولكن عندما زار أفغانستان والهند وقطر، تبنى الأفكار المتطرفة، وأصبح أكثر تطرفًا وسرعان ما انضم إلى تنظيم القاعدة في المغرب العربي، وفي عام 2012، بدأ في تكفير الزعماء الدينيين وكبار القضاة، وذلك لعدم تنفيذهم لأحكام الشريعة الإسلامية وفي 10 يناير 2013، قاد هجوم بلدة كونا في وسط مالي، وأعلن نفسه «سلطان» عليها، وهو ما دفع القوات الفرنسية للتدخل العسكري في هذه البلدة ضده لتقويض نفوذه (7).

 وهدفت جبهة تحرير ماسينا، إلى توظيف خطابها المتطرف لإحياء القومية الفولانية في غرب أفريقيا وإحياء الإمبراطورية التي قامت في القرن الـ19، وتوسيع امتدادها في العديد من الدول الأفريقية باعتبارهم سادات الساحل، وتبني استراتيجية القاعدة في المغرب الإسلامي في مالي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بشكل عام، ومقاومة التدخل العسكري بقيادة فرنسا في شمال مالي والعمل من أجل الوحدة بين الجماعات الجهادية في غرب أفريقيا من أجل مقاومة فرنسا، وينتمي عناصرها الجبهة إلى قومية الفولان في المنطقة الوسطى من مالي، واعتبرت أول تنظيم يتشكل على أساس عرقي في مالي، وتتميز بأنها ذات طابع إقليمي بحت ولا تتواجد إلا بين الأقلية الفولانية، وهو ما أعطى عنصرًا عرقيًّا وبعدًا جديدًا للصراع في مالي التي تنتشر فيها التوترات القبلية، وجعله يأخذ طابعًا إقليميًّا في حال تطورت الصلات بين الفولانيين في مختلف أنحاء القارة الأفريقية، حيث لها تواصلات مع جنوب ليبيا، وشمال النيجر وبوركينا فاسو.

 ووفقًا لاتجاهات عديدة، فقد نشأت ماسين كحركة تهدف إلى الدفاع عن قومية «الفولاني» التي عانت من سياسات التهميش والإقصاء، ليس في مالي فقط، وإنما في دول أخرى مثل السنغال والنيجر وموريتانيا، وقد استغلت الجبهة التدخل العسكري الفرنسي في شمال مالي في عام 2013، والذي أدى إلى تشتت مقاتلي حركة «أنصار الدين»، في استقطاب المقاتلين الذين ينتمون لقومية «الفولاني» وكانوا في صفوف الحركة الأخيرة، حيث استفادت، إلى حد ما، من خبراتهم التنظيمية والعسكرية، بشكل مكنها من تنفيذ العديد من العمليات الإرهابية (8.(

 أما النمط النمط الثاني لبروز المكون القبلي وعلاقته بالتنظيمات الإرهابية والمتطرفة فيرتبط باستغلال هذه التنظيمات للمناطق والأراضي التي تقع تحت سيطرة القبائل سواء لاستخدامها كمقرات لهذه التنظيمات أو الانطلاق منها إلى شن هجمات على مناطق مجاورة، وهو الأمر الذى تجسده جماعة بوكو حرام النيجيرية التي نشأت عام 2002، حيث يعتمد غالبية أعضائها على قبيلة «الكانوري» التي تمتد عبر الحدود إلى النيجر وتشاد والكاميرون، وكذلك استغلالها لقبائل الهوسا، والتي تعتبرها اتجاهات عديدة بأنها المكون الرئيسي لمقاتلي الجماعة؛ فنيجيريا التي يقدر عدد سكانها بأنه يفوق 160 مليون نسمة، تضم أكثر من 250 مجموعة عرقية مختلفة، فيها ثلاث مجموعات قبائلية تعتبر الأكبر، من حيث العدد هي «الهوسا»، و«اليوروبا»، و«الإجبو» أو «الإيبو».

 تتواجد الهوسا بصفة أساسية في شمال نيجيريا، وفي بعض البلدان المجاورة مثل النيجر، وتشاد، ويعمل معظم الهوسا في الزراعة، والحرف اليدوية والتجارية، ويعيش اليوروبا في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد، ولغة قبائل الهوسا هي الهوسية التي تنتمي الى مجموعة اللغات الأفروآسيوية (9)، وسعت جماعة بوكو حرام إلى إيجاد مساحات قبلية استراتيجية للتحرك براحة والتمكن من السلاح والعتاد والتمويل عبر المسالك التي تربط نيجيريا بالنيجر ومالي؛ فقبائل الهوسا المتمركزة شمالًا على الحدود مع النيجر والتي تعد المعقل الرئيسي لجماعة بوكو حرام التي أعلنت أيضًا عن مبايعتها لتنظيم داعش، وتعتبر بوكو حرام من بين أكثر التنظيمات تشددا وعنادا وقدرة على المناورة في تلك المناطق بدعم من القبائل، حتى إن مراقبين أطلقوا عليها اسم «طالبان أفريقيا» (10).

 

الظاهرة ذاتها تحدث في شمال مالي، فبعد أن تحالف عدد من منتسبي القبائل العربية مع تنظيم القاعدة في المنطقة الممثل بـ«إمارة الصحراء»، وبعد عجز الدولة المالية عن تحالفها مع القوات الفرنسية من ضبط المناطق الشمالية أمنيًا وعسكريًا، زاد إقبال التنظيمات الإرهابية على القبائل حتى تتمكن من تنفيذ أجنداتها في إعلان انفصال أقاليم من مالى تقع تحت سيطرتها (11).

 على مستوى آخر نسج تنظيم القاعدة علاقات وثيقة مع القبائل في أفريقيا وتعايش معها باعتبارها قبائل محافظة ولم تكن تعاليم التنظيمات الإسلامية غريبة عليهم، حيث تمكن من الانصهار في شمال مالي وتحالف مع الأزواد وتوسع في الصومال ومناطق عديدة من الصحراء الأفريقية، بما مكنه من حشد المزيد من التأييد رغم الانشقاقات التي عرفها، بخلاف تنظيم داعش الذي هدف إلى التوسع على حساب دول المنطقة ومهاجمة أنظمتها؛ ما جعل التنظيم هدفًا مزدوجًا من الجماعات المسلحة التابعة للقاعدة وكذلك جيوش دول المنطقة، ومن ثم فإن فهم التركيبة الاجتماعية المعقدة ساعد الجهاديين في نسج العلاقات الوثيقة بينهم وبين القبائل المتجذرة في الواقع الأفريقي.

 فالعشائرية الصومالية تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد هوية المجتمع، ويلعب توازن القوى بين هذه العشائر دورا مهما في هذا الإطار، فالعشائر و«العشائر الفرعية» متداخلة جغرافيا أكثر من توزعها الواضح على أراضي الدولة، وتمارس بعض العشائر الفرعية سلطة كبيرة في مناطق بعينها، هذا النظام العشائري يضع القواعد التي يتعين على السياسيين وأمراء الحرب، وحتى الإرهابيين، الالتزام بها.

 وقد عملت حركة الشباب على تحقيق التوازن بين الأولويات المحلية والقيم الجهادية، ولم تتجاهل العامل العشائري، واُتهمت المحاكم الإسلامية بانتمائها وتحيزها إلى عشيرة «الهوية»، ولكن حركة الشباب حاولت تفادي التحيزات العشائرية، فالقيادة المتعددة العشائر لحركة الشباب ساعدت على اكتساب الحركة لمتعاطفين ومقاتلين من العشائر المختلفة، إلا أن الخلافات بين القادة الرئيسيين داخل الحركة، ومنهم أحمد جوداني وهو من الشمال (عشيرة إسحاق أرب)، والقائد مختار روبو (مرفلي ليسان) أدى إلى تصاعد الديناميات العشائرية بصورة واضحة داخل الحركة (12).

رابعًا: السياسات الأفريقية لفك الارتباط بين القبلية والإرهاب

على الرغم من فشل الحلول الأمنية في مواجهة الارتباط بين المكونات القبلية والتنظيمات الإرهابية فإن بعض الأجهزة الحكومية استطاعت صياغة ما يمكن تسميته بالاقتراب الناعم لفك الارتباط بين القبيلة والإرهاب، حيث يحاول هذا الاقتراب الذي تبنته نيجيريا على سبيل المثال السعي إلى إدماج المرأة في جهود مواجهة قضايا الإرهاب والعنف المسلح؛ إذ يتم تدريب الأمهات في المناطق القبلية على طرق مكافحة التطرف الفكري والديني ومراقبة أي تغيرات سلوكية تطرأ على أطفالهن.

 فبعد تعدد جرائم اختطاف وقتل الأطفال في نيجيريا خرجت المسيرات النسائية رافعة شعار لدينا المزيد من بوكو حرام، في إشارة للفشل الحكومي في مواجهة المد الإرهابي، ولا يقتصر هذا الاقتراب النيجيري على إدماج المرأة ولكنه يشمل إعادة النظر في مناهج التعليم بهدف التوكيد على مهارات التفكير النقدي وغرس قيم الإبداع والقبول بالآخر وتُظهر الخبرة الفاحصة لهذه التجارب الأفريقية على تنوعها في مواجهة الإرهاب أوجه قصور وتحديات كبرى؛ فالمعالجة الأمنية والاعتماد على التكتيكات العسكرية التقليدية كما هو الحال في نيجيريا والكاميرون لا تستطيع تجفيف منابع التطرف والإرهاب على المدى البعيد.

 أضف إلى ذلك فإ

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل ستذهب حماس بإتجاه الإستمرار في التصعيد يوم الجمعة القادم في ضوء التصعيد الإسرائيلي ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت