جديد الأخبار
رسائل داعش الحركية لـ«أمريكا وأوروبا»
09/09/2018 [ 05:45 ]
الإضافة بتاريخ:
رسائل داعش الحركية لـ«أمريكا وأوروبا»

 

الكرامة برس - وكالات : يطرق داعش في جنوب شرق آسيا على الحديد وهو ساخن، فهو يستهدف ميراث القاعدة، ويحرص على الترويج لفشلها طوال سنوات، رغم تمتعه بقوة بشرية مستفادة من أعداد كبيرة لمقاتلين سابقين في أفغانستان

من جنوب شرق آسياتعهد قادة دول جنوب شرق آسيا خلال اجتماعهم بقمة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الـ32 في 28 أبريل 2018، بتفعيل التعاون؛ من أجل مكافحة الإرهاب، مع ضرورة تنسيق الجهود؛ من أجل إبقاء الأمور تحت السيطرة، خاصة مع تطوير تنظيم داعش أدوات تواصل قادته وأعضائه عبر تطبيقات الرسائل المشفرة .

اعتراف هؤلاء الزعماء بوجود داعش في دولهم، هو في حد ذاته مقلق لدول الغرب، خاصةً  أن ما يجري يُذكّر بمسار وسيناريو نفذه قبل داعش تنظيم القاعدة، فمقاتلو داعش يسلكون طريق من سبقوهم نفسه من مقاتلي القاعدة، ويكررون تحالفاتهم نفسها وكأنهم قد درسوا وحفظوا تاريخ القاعدة جيدًا قبل قدومهم .

يعبر عناصر داعش القادمون من الشرق الأوسط حدود الفلبين التي يسهل اختراقها؛ نظرًا لطول ساحلها (نحو 36 كم) وكثرة جزرها (7107 جزيرة) التي يمكن اعتبارها حصونًا ومخابئ، ويخططون للسيطرة على مدينتين في الجنوب هما «إليجان وكوتاباتو» عبر التعاون والتنسيق مع جماعة «أبوسياف» المتشددة، التي ترتكب جرائم خطف وقرصنة، وهو ما حدث في السابق من قبل قادة وأفراد القاعدة .

ويواجه الجيش الفلبيني معضلة؛ بسبب ما سيمثله نشاط المقاتلين الدواعش القادمين من الشرق الأوسط كإسناد وداعم للمتمردين المحليين؛ ما سيضطره للقتال على جبهات عدة، خاصةً أنه يخوض صراعًا مسلحًا في جزيرة مينداناو الجنوبية للقضاء على محليين موالين لداعش .

وأعلن إسلامويون في الفلبين في عام 2017 مبايعتهم للتنظيم الذي استولى على مدينة «ماراوي»، وسيطروا عليها لـ5 شهور، لكن القوات الحكومية استعادتها بعد أشهر من معارك قتل خلالها ما يقارب الألف شخص [1]، وقال الجيش: إن المتبقين من فلول التحالف المتشدد الذي سيطر على «ماراوي» يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم واستخدام المال والذهب الذي نهبوه من «ماراوي» لتجنيد مقاتلين جدد

 

 

 

يستغل إبراهيم مراد، زعيم جبهة «مورو الإسلامية للتحرير» الأحداث، فحركته وهي أكبر جماعة إسلامية في الفلبين تسعى للحصول على حكم ذاتي، ولذا يروج إلى أن اعتداءات داعش ستتكرر في مدن أخرى داخل البلاد، إذا لم يقر الكونجرس قانونًا يسمح للمسلمين في جنوب الفلبين بإدارة شؤونهم، وكانت جبهة مورو الإسلامية للتحرير الانفصالية، قد وقعت اتفاق سلام مع الحكومة مقابل الحصول على قدر أكبر من الحكم الذاتي .

وفى تايلاند يستهدف داعش رمزيتها كحليفة للولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة اللعب بورقة اضطهاد الأقليات المسلمة القاطنة في إقليم «فطاني» جنوبي البلاد، علاوة على أن الحضور بتايلاند ضروري لإكمال شبكة داعش الآسيوية من أفغانستان إلى إندونيسيا وماليزيا والفلبين، إنها ببساطة خريطة تحرك تنظيم القاعدة في تسعينيات القرن الماضي والتي أدار من خلالها عملياته الإرهابية الكبرى في أنحاء العالم

العاطفة لدى الجهاديين الإندونيسيين قوية، وهم عادة مرتبطون شعوريًّا بالزعيم والمرشد، وهو ما تكرر في حالة «أبوبكر باعشير» وأمان عبدالرحمن وقبلهما عبدالله سونكا ورضوان عصام الدين الملقب بـ«حنبلي»، والموالون لداعش من الإندونيسيين سريعو الاستجابة لنداءات «أبوبكر البغدادي» الذي دعا مؤيديه بعد الهزيمة في العراق للاستنفار في جميع أنحاء العالم .

تفتقر إندونيسيا لتشريعات جديدة تناسب مستجدات الحالة الإرهابية المتطورة؛ حيث لم يتم تعديل قانون مكافحة الإرهاب الذي يرجع إلى نظام العدالة الجنائية، وهو لا يمنح السلطة الحق في عملية القبض على مشتبه بهم إلا بعد حدوث العملية الإرهابية

يمثل كل ذلك عوامل مساعدة سهّلت على تنظيم داعش الانتشار، وسرعة تحقيق النفوذ في هذه البلاد البعيدة من العالم، والأهم من ذلك أن داعش لا يستغل تلك العوامل فحسب، إنما ينسج على منوال القاعدة قبله، ويستفيد بشكل ملحوظ من إرث وخبرات القاعدة في جنوب شرق آسيا، وهو ما يضاعف قلق الأجهزة الغربية تخوفًا من أن يكون السير وفق استراتيجية مشابهة هدفه القيام بعمليات من نوعية تلك العمليات التي نفذها تنظيم القاعدة ضد المصالح الغربية.

 

داعش يرث القاعدة

 

ينظر «استراتيجيو داعش» بعين الاعتبار لخطة تنظيم القاعدة القديمة التي تمكّن خلالها من الربط بين أنشطة قادته ومقاتليه بين أفغانستان والفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وأستراليا، وهو ما مكّن القاعدة من توفير معسكرات تدريب لإعداد المقاتلين، وتحويل مناطق شرق آسيا لمراكز جهادية بديلة لمناطق الشرق الأوسط وداعمة لنشاطه في أفغانستان

ولا يجد داعش مستقبلًا لحضوره المأمول في أفغانستان للهيمنة على إرث القاعدة، دون تتبع وتقليد ما قام به زعماء القاعدة، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، عندما حرصوا على إدارة جنوب شرق آسيا لحساب مصالح التنظيم .

لدول جنوب شرق آسيا جاذبية خاصة لدى تنظيم داعش؛ كونها ساحة تاريخية حتى قبل القاعدة للقيام بعمليات هدفها الضغط على القوى الكبرى وأصحاب المصالح في ملفات شرق أوسطية؛ ففي عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي قامت منظمات عربية بعمليات في بانكوك ومانيلا للهدف نفسه[2]، فقد اغتال حزب الله اللبناني الموالي لإيران في بانكوك عددًا من الدبلوماسيين السعوديين[3]، ونفذت جماعة أيلول الأسود الفلسطينية هجومًا على الأرض التايلاندية في العام 1972 عبر اقتحام مسلحيها للسفارة الإسرائيلية، واحتجاز عدد كبير من الرهائن، وقتل بعضهم قبل فرارهم إلى مصر

وعلى خطى القاعدة وجد داعش في هذه الساحة ذات الأهمية الاستراتيجية ورقة مهمة للضغط على القوى الغربية من جهة مصالحها هناك، وصولًا لامتلاك النفوذ والحضور الذي يمكنه من المساومة والابتزاز على العديد من مخرجات ملفه في الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بملفي العراق وسوريا .

يطرق داعش في جنوب شرق آسيا على الحديد وهو ساخن؛ فهو يستهدف ميراث القاعدة هناك بالنظر لاستمرار معاناة الأقليات المسلمة في المناطق الجنوبية من الفلبين وتايلاند، ويحرص على الترويج لفشل القاعدة طوال سنوات رغم تمتعه بقوة بشرية مستفادة من أعداد كبيرة لمقاتلين سابقين في أفغانستان

وعين داعش على الفوز بمقاتلي جنوب شرق آسيا ممن قاتلوا في السابق بأفغانستان،  سواء من الموالين للقاعدة أو غير المنتمين تنظيميًّا، بالنظر لتفضيل زعيم داعش للآسيويين بالمقارنة بأعضاء التنظيم من أصول عربية، وقد دأب «البغدادي» على مدح هؤلاء وانتقاد أولئك وفق ما جاء في البعض من رسائله المسربة لأتباعه في ليبيا .

ويسير تنظيم داعش على خطى القاعدة في التحول المرحلي لاستهداف مصالح «العدو البعيد»؛ من أجل الضغط على القوى الدولية الفاعلة في الشرق الأوسط وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، للعودة من جديد لفرض نفسه على ملفات المنطقة؛ لتصبح مصالح الغرب في جنوب شرق آسيا هدفًا تكتيكيًا لداعش، وبمثابة جسر يعبر به التنظيم للعودة من جديد للشرق الأوسط .

يسير داعش حاليًّا في طريق استعادة قوته وامتصاص هزائمه على استراتيجية القاعدة القديمة نفسها التي وضعت أفغانستان ساحة رئيسية للتدريب والإعداد القتالي، وحضور أهم الكوادر والقادة، ومن ثم ضخ هذه الطاقات وبعثها في جميع أنحاء العالم، كما صنعت القاعدة عندما انتشرت كوادرها الجهادية انطلاقًا من أفغانستان في عام 1990.

 

 

 

يدرك داعش جيدًا أن الذي صنع قوة القاعدة العالمية وأوصلها لأن تصبح تنظيمًا عالميًّا هو البداية والقاعدة الصلبة، التي أسستها في جنوب شرق آسيا، والتي مثلت دولها من حيث المساحة والأعداد الكبيرة للمقاتلين المنتمين للتنظيم أهم العوامل التي مكنت التنظيم من تنفيذ عملياتها الإرهابية الكبيرة والمعقدة في أنحاء العالم

أصبحت الفلبين هدفًا أساسيًا لداعش خلال المرحلة الحالية، ووجهة للعديد من الفصائل القتالية المتطرفة والتكفيرية النازحة من معارك الشرق الأوسط، والسبب الرئيسي هو ما حرك تنظيم القاعدة في السابق صوب الوجهة نفسها وهو المصالح الأمريكية هناك، علاوة على التنسيق الأمني والمخابراتي بين البلدين وما تقتات عليه التنظيمات من الترويج لنفسها على خلفية الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون

لا ينسى الغربيون أن إحدى العمليات الخطيرة لتنظيم القاعدة، وهي التفجير الذي استهدف مبنى التجارة العالمي في عام 1993، تم التخطيط والإعداد لها ومن ثم تنفيذها عبر مسار ثلاثي، وهو أفغانستان ومانيلا والولايات المتحدة، وليست مصادفة أن يكون اهتمام داعش خلال المرحلة الحالية منصبًا على إتمام حلقة حضوره بين أفغانستان والفلبين.

لقد انضم رمزي أحمد يوسف –ابن شقيقة خالد شيخ محمد- للجهاد في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1991 وبدأ يتصل بأبي بكر الجنجلاني، قائد جماعة أبي سياف، ثم عقد تجمعًا في مانيلا مكونًا من عدد من المقاتلين العرب وبعض المنتسبين لجماعة أبي سياف، وكان الاجتماع يتم يوم السبت من كل أسبوع

 

استهداف أمريكا وأوروبا

 

هذه رسالة من داعش للأجهزة الأمنية الغربية، مفادها إمكانية تكرار سيناريوهات الإعداد والتجهيز لمهاجمة عمق أمريكا وأوروبا عبر تدريبات ومعسكرات أقيمت بجنوب شرق آسيا؛ لأنه من المعروف والموثق[5]، أن إعداد القاعدة لاستهداف مبنى التجارة العالمي في عام 1993 قد تم في الفلبين عن طريق القيادي رمزي أحمد يوسف .

أعدت الخطة في الفلبين بمساعدة مقاتلين سابقين في أفغانستان وبعد إتمام الاستعدادات اللازمة انطلق «رمزي» إلى أمريكا لتنفيذ خطته فأعد قنبلة السيارة وكانت الطريقة المستخدمة في ذلك أنه وضع القنبلة في شاحنة ثم قام بتفجيرها في الدور الأرضي للبرج الشمالي من مبنى المركز التجاري الدولي في نيويورك بتاريخ 26 فبراير 1993.

 

 

 

هناك فائدة مضافة للفلبين بحسب خبرة القاعدة كونها ملاذ للهروب بمساعدة المنتمين للتنظيم ومقاتلي أفغانستان؛ فقد هرب رمزي أحمد يوسف للفلبين بعد القيام بعمليته غير المكتملة التي أوقعت عددًا من القتلى وشعر هناك بالأمان والحماية ومن خلال شبكة الجهاديين المقيمين في الفلبين اتصل يوسف بجهاديين من إندونيسيا وماليزيا

حاول يوسف في ديسمبر من عام 1994 أن يشن هجومًا بقنبلة على طائرة للخطوط الجوية الفلبينية متجهة إلى اليابان بمساعدة خالد شيخ محمد، الذي صار لاحقًا قائدًا لعمليات القاعدة في جنوب شرق آسيا، ورغم فشلها فإنها كانت مقدمةً  للعمليات الإرهابية ضد الولايات المتحدة عن طريق الجو .

كانت لدى القاعدة معضلة لم تحل في جنوب شرق آسيا وهي عدم إعلان خلافة بهذه المنطقة، وهو ما كان يلجأ أيمن الظواهري للزعم بأن نشاط تنظيمه بمثابة استمرار للخلافة العثمانية التي تم إسقاطها في عام 1924، ويأتي داعش ومعه الحل الجاهز لتلك الإشكالية عندما أعلن خلافة تقترب في تصور الإسلاميين من مثالية الخلافة الأولى

هذا التطور لدى داعش منحه الأفضلية الأيديولوجية لدى إسلاميي هذه المناطق على خلفية كون طرد ما يعتبرهم «الكفار» عن بلاد المسلمين عبر الجهاد وإعلان الحرب على المصالح الغربية يعوزه تصور مستقبلي بشأن أهدافه ونتائجه، والتي وفرتها داعش عبر إقامة ما أطلقت عليه «خلافة إسلامية» على المناطق المحررة من الحضور الأجنبي

لا يستفيد داعش فقط هنا من خبرات وإرث القاعدة بجنوب شرق آسيا، إنما يحرص على خلق مخارج تنظيمية وعقائدية لعدد من الإشكاليات التي أعجزت تنظيم القاعدة، للدرجة التي يُفهم منها أنه حريص إلى أقصى حد في الوصول للهدف الذي لم ينجح في تحقيقه القاعدة، وهو إقامة كيان متماسك ممتد بين أفغانستان والفلبين وإندونيسيا وماليزيا

هناك هدف إزاحة القاعدة من عرش الجهاد العالمي واحتلال مكانه والاستيلاء على إرثه، ليس فقط مقاتليه القدامى إنما تفكيره الاستراتيجي وخرائطه وخططه علاوة على تجاوز عثراته، وهو ما يعني أن أحد أهم عوامل ضعف الجهاديين ومن ثم هزيمتهم في العراق وسوريا وهو الانقسام والتقاتل بين داعش والقاعدة قد تغلبوا عليه، وعلى من يهمه الأمر أن يتحدث مع ممثلي داعش فحسب عند التفاوض بشأن الملفات المعلقة.

 

 

 

تعد التصورات والمقترحات التي تم طرحها خلال القمة الـ32 للآسيان[6] في أبريل الماضي مهمة لمواجهة خطر داعش المتنامي في دول جنوب شرق آسيا، ولذا يجب الإسراع في تنفيذها ووضع خطط مرحلية وآليات لمتابعة التنفيذ على الأرض، خاصةً ما يتعلق بتعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني للحد من خطورة داعش المكتسبة من احترافية استخدام الوسائل الإلكترونية ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي

كما يجب تعزيز جهود دول أوروبا والولايات المتحدة بالتنسيق مع الدول المعنية في سياق تنمية القدرات الأمنية لأجهزة دول جنوب شرق آسيا، علاوة على الاهتمام بالملف الاقتصادي ووضع حلول ناجزة لمشكلتي البطالة والفقر، وكذلك الإسراع في حل مشكلات الأقليات المسلمة في بعض هذه الدول التي يمثل فيها المسلمون أقلية

وتتأكد أهمية توثيق التعاون الأمني والاستخباري بين دول جنوب شرق آسيا والدول العربية في ملف مكافحة الإرهاب، بالنظر إلى ترابط نشاطات وتحركات قادة وأفراد الجماعات الإرهابية من وإلى جنوب شرق آسيا بطبيعة حضورهم في الشرق الأوسط، وبما أن هناك ترابط تنظيمي وفكري بين الجماعات في المنطقتين فإن التنسيق من شأنه التوصل لتصور مشترك يُنهى به ضخ الأفكار والأفراد داخل هذه الشبكة

يأتي الخطر الأكبر من متشددي البلاد الأصليين داخل دول جنوب شرق آسيا فهم الأكثر تشددًا وحماسة لتطبيق أفكارهم وتصوراتهم؛ ولذلك ينبغي تكثيف برامج التوعية وتصحيح الأفكار والقناعات بشكل مدروس ومعمق، سواء من خلال الإعلام أو نظام التعليم ومنتديات الشباب .

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
كاريكاتير
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت