المساعدات الأمريكية لباكستان.. خيارات «العصا» و«الجزرة»
14/09/2018 [ 14:20 ]
الإضافة بتاريخ:
المساعدات الأمريكية لباكستان.. خيارات «العصا» و«الجزرة»

-الكرامة برس-وكالات - في خطوة تزيد من حدة التوتر في العلاقات الأمريكية - الباكستانية، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) «كون فوكنز» في 2 سبتمبر 2018، قرار إلغاء مساعدات بقيمة 300 مليون دولار لباكستان؛ بسبب ما قال إنه عدم اتخاذها إجراءات حاسمة لدعم استراتيجية واشنطن في جنوب آسيا، وعملها على دعم وتمويل الإرهاب في هذه المنطقة؛ ولذلك فإن البنتاجون رأى أنه من الأفضل إنفاق هذا المبلغ على أولويات عاجلة أخرى، في حالة موافقة الكونجرس على ذلك، وأضاف «فوكنز» أن الكونجرس كان قد ألغى تخصيص مساعدات أخرى إلى باكستان هذا العام بقيمة 500 مليون دولار؛ ما يجعل إجمالي المبلغ الذي حُرمت منه باكستان 800 مليون دولار.
انظر أيضًا: إيران تضع «خان» على المحك في علاقات باكستان بالولايات المتحدة

وتلقت باكستان منذ عام 2002، قرابة نحو 33 مليار دولار من الولايات المتحدة، في صورة مساعدات، من بينها 14 مليار من البنتاجون، ضمن ميزانية أمريكية تهدف إلى تعويض الحلفاء الذين يعانون من تكاليف دعم عمليات مكافحة التطرف والإرهاب في آسيا.

ولذلك يطرح هذا القرار العديد من التساؤلات حول سبب اتخاذه في هذا التوقيت، وماذا عن الرد الباكستاني على ذلك؟ وما تأثير زيارة وزير الخارجية الأمريكي لباكستان على القرار؟ وما رؤية المؤسسة العسكرية الباكستنية للقرارات الأمريكية؟ وهل ينجح رئيس الوزارء الباكستاني في تحسين مسار العلاقات الأمريكية - الباكستانية؟

توقيت القرار يأتي بعد أسبوعين فقط من تولي «عمران خان»، منصب رئيس وزراء باكستان، وهو الذي انتقد في أوقات سابقة مشاركة بلاده في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب، لرؤيته أن ذلك فاقم العلاقات بين البلدين، إلا أنه بعد ذلك تعهد بإقامة علاقات متوزانة مع واشطن؛ لذا فإن القرار الأمريكي جاء وسط مخاوف من أن يكون «خان» متسامحًا مع الجماعات الإرهابية والتي من بينها «طالبان» و«شبكة حقاني» -جماعة جهادية متحالفة مع طالبان- خاصة بعدما أعلن «خان» أثناء حوار له مع صحيفة «نيوزويك ديلي نيوز» الأمريكية عام 2011، بصفته آنذاك رئيس «حركة الإنصاف الباكستانية» وأبرز معارضي «حزب الشعب الباكستاني»؛ باهمية إجراء حوار مع حركة «طالبان» الباكستانية، والتواصل معها.

ويأتي القرار أيضًا في إطار السياسة الأمريكية القائمة، خلال هذه الفترة على تقليص حزمة المساعدات المقدمة لباكستان كنوع من الضغط عليها، حتى تستجيب للأجندة الأمريكية، ومن بين الأمثلة على ذلك، أن إدارة «ترامب» عملت خلال شهر أغسطس الماضي، على إقصاء عشرات الضباط الباكستانيين من برامج تدريبية وتعليمية، تحظى بإقبال منهم وكانت تعد رمزًا للعلاقات العسكرية الثنائية منذ أكثر من 10 سنوات.

ويشهد الاقتصاد الباكستاني في هذا التوقيت مصاعب عدة؛ حيث إن اسلام آباد تعاني منذ فترة أزمة اقتصادية، ظهرت بدايتها نتيجة عجز كبير في الموازنة، وارتفاع في نسب التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، فالدولة الآسيوية لديها مشكلة في قدرتها على توفير فرص العمل لشعبها، خاصةً الشباب المتعلم وخريجي الجامعات، فتعداد سكانها يبلغ نحو 208 ملايين نسمة، يوجد أكثر من 60% منهم تحت سن الـ30.

كما واجه الاقتصاد الباكستاني أخيرًا مشكلات تتعلق بالفساد، إضافةً إلى تصاعد الديون؛ نتيجة اتجاه باكستان إلى الصين للحصول على الدعم والمساعدة، وذلك بعد تزايد التوتر بين واشنطن وعدد من الدول الغربية من جانب، وباكستان من جانب آخر؛ بسبب اتهامات للأخيرة بأنها لا تقم بواجبها لمحاربة تنظيم «طالبان» في أفغانستان والميليشيات المسلحة الأخرى؛ ما سبب زيادة سريعة في حجم الديون التي يجب على باكستان سدادها للصين.

أيضًا جاءت هذه الخطوة قبيل الزيارة التي قام بها كل من وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو»، ورئيس أركان الجيوش الأمريكية الجنرال «جوزيف دانفورد» لإسلام آباد يوم 5 سبتمبر 2018، للقاء رئيس الوزارء «عمران خان»، وعدد من القادة الباكستانيين.

تصاعد التصريحات

«هذه الـ300 مليون دولار ليس معونة أو مساعدة، إنها أموال أنفقتها باكستان بالفعل في الحرب على الإرهاب من مواردها الخاصة، وعليها تسديدها لنا»، هكذا رد وزير خارجيتها «شاه محمود قرشي» على القرار الأمريكي، فيما علق السيناتور «مشاهد حسين سيد» عضو مجلس الشيوخ الباكستاني، بأنه في حال عمدت الولايات المتحدة إلى ترهيب بلاده وتحميلها المسؤولية، فهناك خيارات أخرى، ملمحًا بذلك إلى الصين أقرب حلفاء باكستان، كما أعلن رئيس معهد الدراسات الاستراتيجية القريب من الحكومة الباكستانية «خالد محمود» سخريته من الموقف الأمريكي، قائلًا: «كنا أقرب الحلفاء في حين، وفرضت علينا أشد العقوبات في حين آخر» .

وعندما أشار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في تغريدة له على «تويتر»، في يناير 2018، وكان مضمونها أن الولايات المتحدة أعطت مساعدات لباكستان بحماقة، ومقابل ذلك لم تحصل إلا على الأكاذيب والخداع؛ بسبب استمرار الباكستانيين في تقديم ملاذٍ آمنٍ للإرهابيين في أفغانستان، زاد ذلك من توتر العلاقات بين البلدين، وأغضبت بعض المسؤولين الباكستانيين، وكان من بينهم رئيس الوزارء الحالي الذي انتقد «ترامب» وقتها واصفًا إياه بأنه «جاهل وجاحد»، كما انتقد واشنطن لاستخدامها باكستان كـ«كبش فداء»؛ بسبب فشلها في أفغانستان.

كما أعلن كل من وزيري الخارجية والدفاع في باكستان، أن بلدهم قدمت الكثير للولايات المتحدة وساعدتها في القضاء على تنظيم «القاعدة» فيما لم تحصل سوى على «الذم وعدم الثقة»، إضافةً إلى أن سفيرة باكستان لدى الأمم المتحدة «مليحة لودهي»، قالت إن بلادها مستعدة لإعادة النظر في تعاونها مع الولايات المتحدة ما لم يتم تقدير هذا التعاون، داعية واشنطن إلى عدم إلقاء اللوم في أخطائها وفشلها على الآخرين.

احتواء الموقف

توجه وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو إلى إسلام آباد؛ فى محاولة احتواء الموقف مع الحكومة الباكستانية الجديدة، خاصة بعد قرار تجميد المساعدات، وعقد خلال الزيارة اجتماعات مع عدد من المسؤولين الباكستانيين، مشيرًا إلى أن انتخاب «خان»، الذي وعد بالسعي لتحسين العلاقات مع واشنطن، يمكن أن يوفر زخمًا جديدًا، ومؤكدًا أن هناك الكثير من التحديات بين البلدين، لكن هناك أملًا في أن يتم إيجاد أرضية مشتركة مع القيادة الجديدة والبدء بالعمل على حل بعض المشكلات معًا، ومن بينها أن يتم العمل على إحداث السلام في أفغانستان، وفيما يخص القرار الأمريكي أكد «بومبيو» إمكانية إعادة تقديم الدعم العسكري، لكن في ظل الظروف المناسبة.

خيارات باكستانية

هنا نجد أن المؤسسة العسكرية الباكستانية التي تعتبر (الحاكم الفعلي للبلاد)، لها رأي آخر؛ إذ إنها لن تسمح لرئيس الوزراء الحالي بتقديم أي تنازلات تمس السيادة الباكستانية، وتخضع كلية للولايات المتحدة، وعدم موافقة الجيش على حدوث ذلك، يرجع لأسباب عدة متمثلة في الخيارات المتاحة أمام باكستان، في حال مواصلة واشنطن الضغط عليها، ومن بينها:

الحليف الصيني: ستلجأ باكستان إلى الصين حليفتها والداعمة لها في حال تعليق المساعدات الأمريكية، وهذا ما حدث بالفعل في يناير 2018، حينما توترت العلاقات بين واشنطن وإسلام آباد؛ إذ رفضت الصين وقتها الاتهامات الأمريكية الموجهة لباكستان حول تقاعسها عن مواجهة الإرهاب، وتصدت لمحاولة إدراجها على قائمة الدول المتورطة بتمويل الإرهاب، وعملت على تعزيز تحالفها معها، إضافةً إلى أنه في ديسمبر 2017 أقيم مؤتمر جمع بين كل من (الصين وباكستان وأفغانستان)، نص على تدشين استراتيجية ثلاثية لمكافحة الإرهاب في المنطقة، ويرجع ذلك إلى سعي الصين إلى بسط نفوذها على آسيا الصغرى بما يخدم مشروعها الاقتصادي الكبير «طريق الحرير» (1).

البديل الروسي: قد تؤدي الضغوط الأمريكية المتواصلة على باكستان للانفتاح على موسكو لتعويض الفراغ الأمريكي، وهذا حدث بالفعل سابقًا بعد أن قلصت واشنطن يناير الماضي المساعدات لباكستان، فتوجه وزير الخارجية الباكستاني «خواجه محمد آصف» في 20 فبراير 2018 إلى روسيا بدعوى من نظيره الروسي «سيرجي لافروف»، وأعرب «آصف» حينها عن أمل بلاده في زيادة التعاون مع روسيا في المجال العسكري التقني، وتنمية الاستثمارات في قطاع الطاقة الباكستاني، قائلًا: «نحن نعول على زيادة تعاوننا خصوصًا في مجال مكافحة الإرهاب، نحن نعول كذلك على الاستثمارات الروسية في الطاقة والنفط والغاز والكهرباء»، ليس ذلك فقط بل هناك سعي باكستاني لزيادة هذا التعاون بأضعاف (2).

وفي 9 أبريل 2018، أعلن وزير الدفاع الباكستاني «خورام داستغير خان» أن إسلام آباد أجرت محادثات مع موسكو بشأن شراء طائرات Su-35 وأنظمة الدفاع الجوي ودبابات T-90 الروسية، مؤكدًا أن عملية الشراء هذه لن تكون لمرة واحدة ولكن التزامًا طويل الأجل، وفي وقت سابق تحديدًا في نوفمبر 2014، وقّعت باكستان اتفاقية تعاون في المجال الدفاعي مع روسيا، أثناء زيارة وزير الدفاع الروسي «سيرجي شويجو» لإسلام آباد؛ حيث سلّمت موسكو مجموعة من الطائرات المروحية الهجومية من نوع «ميل مي Mi-35» (3).

التقارب الإيراني: عملت طهران على الاستفادة من التوتر الواقع بين البلدين، لمحاولة الخروج من أزمة العقوبات المفروضة عليها من قبل واشنطن، ومحاولات الأخيرة منع الدول الأخرى من التعاون مع النظام الإيراني؛ الأمر الذي دفع وزير خارجية طهران «جواد ظريف» للتوجه إلى «إسلام آباد» في زيارة مفاجئة، لها دلالات خاصة؛ حيث إنها جاءت في 31 أغسطس الماضي، أي قبل أيام من زيارة نظيره الأمريكي «بومبيو».

والتقى «ظريف» خلال زيارته رئيس الوزراء الباكستاني «عمران خان» ووزير الخارجية وقائد الجيش وعددًا من كبار المسؤولين الآخرين، وأكد خلال مباحثاته التي استغرقت يومين ضرورة تطوير التعاون الحدودي بين البلدين، معلنًا استعداد دولته للتعاون بين البلدين لمكافحة الإرهاب؛ نظرًا لأن البلدين تربطهما حدود بطول الف كيلومتر توجد فيها جماعات إرهابية، كما بحث سبل تنمية التعاون العسكري والأمني بين البلدين (4).

ولهذه الزيارة دلالات مهمة؛ إذ إنها تعد أول زيارة لمسؤول دبلوماسي إيراني إلى هذا البلد في عهد الحكومة الباكستانية الجديدة؛ ما يعد خطوة مناسبة لتعزيز العلاقات بين البلدين في المرحلة الجديدة، كما أنها الزيارة السابعة التي يقوم بها «ظريف» لباكستان منذ توليه منصب وزير الخارجية في إيران تم آخرها في مارس 2018، وتوضح الزيارة أيضًا سعي طهران لإقناع القيادة الباكستانية بعدم الاعتماد على الولايات المتحدة، لرؤية مفادها أن هذه الدولة ليس لها حليف، وهذا ما يمكن أن تقتنع به الدولة الآسيوية، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة عليها.
وفي 10 أغسطس 2018، أعلنت باكستان على لسان المتحدث باسم خارجيتها «محمد فيصل»، رفضها للعقوبات الأمريكية على إيران وتهديدات واشنطن، معلنة تمسكها بمواصلة علاقاتها التجارية والاستثمارية والاقتصادية مع جارتها إيران، وأكد أن البلدين يتعاونان فيما يتعلق بقضايا إقليمية وعالمية، لاسيما إيجاد حل لعدم الاستقرار في أفغانستان، كما أن «عمران خان»، صنف إيران بين «الشركاء التقليديين» لبلاده، وتعهّد بتطوير العلاقات معها (5).

ومما تقدم، نصل إلى نتائج مفادها أن الولايات المتحدة تستخدم الأزمة الاقتصادية في باكستان، كسلاح يمكن من خلاله الضغط على الدولة الآسيوية باستمرار لتحقيق الأهداف المطلوبة؛ نظرًا لأن باكستان بحاجه إلى مساعدات من صندوق النقد الدولي تقدر بنحو 12 مليار دولار لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات الذي وصل أكثر من 9 مليارات دولار، إضافةً إلى أن مجموع احتياطي باكستان من العملة الصعبة يقدر بنحو 11 مليار دولار، بحسب إحصاءات صندوق النقد الدولي؛ ولهذا فإن باكستان لا يمكنها أن تحصل على تلك المساعدات إلا بعد موافقة الولايات المتحدة على ذلك؛ لأن واشنطن تمول الجزء الأكبر من ميزانية صندوق النقد الدولي، ولها حق الفيتو، ولاعتقادها أن أموال صندوق النقد الدولي قد تذهب إلى الصين التي يوجد بينها وبين واشنطن حرب تجارية.

رغم كل ذلك، فإن واشنطن بحاجة لخطوط الإمداد والمجال الجوي لباكستان لتسهيل عملياتها وتوسيع نفوذها في أفغانستان، ومن ثم فتعليق المساعدات من شأنه اتجاه المؤسسة العسكرية الباكستانية التي تتحكم في السياسة الخارجية للدولة؛ للضغط على الحكومة الجديدة، لاستخدام الخيارات المتاحة أمامها الممثلة في تطوير التعاون مع حلفاء جدد (الصين، روسيا، إيران)، والحصول على دعم منهم، وهذا من شأنه جعل واشنطن تفقد نفوذها في إسلام آباد، وهو ما لا يمكن أن تسمح به الولايات المتحدة، لذلك من المتوقع أن تعيد المساعدات إلى باكستان أجلًا أو عاجلًا.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
فيديو جرائم حماس
كاريكاتير
فيديو الكرامة
استطلاع
هل تتوقع نجاح جولة الحوار بين السلطة و حماس في القاهرة
نعم
لا
انتهت فترة التصويت