طلال عوكل
لا قليلاً ولا كثيراً، يمكن لحملة التصريحات والاتهامات المتبادلة بين حركتي 'فتح' و'حماس'، أن تغير من اتجاهات الرأي العام الفلسطيني، الذي مر عليه ما يكفي من الأحداث والاجتماعات والتصريحات، لكي تتبلد المشاعر، وتتبدل الأحلام والطموحات.
انطلاقاً من اتجاهات ومواقف الجمهور الفلسطيني، يمكن لأي طرف أن يمرر ما يريد من أهدافه الخاصة والعامة، بدون أن يتوقع معارضة ذات وزن مؤثر، من الشارع الفلسطيني، الذي يفتقد لمن يقود المعارضة، بعد أن أصبحت المعارضة، شبه حصرية، بين حركتي 'فتح' و'حماس' كل يعارض الآخر في مواقع سيطرته.
أهل غزة، فقدوا، معاني الوطنية والصمود، والمشروع الوطني، والأهداف والأحلام و'الطموحات الكبيرة'، وباتوا ينتظرون الفرج بعد أن عِيلَ صبرهم، إزاء إمكانية تحقيق المصالحة، التي ما أن تلوح في الأفق إمكانية تحقيقها حتى تبتعد أكثر فأكثر، إلى أن تحولت إلى سراب.
الحياة المعيشية الشخصية باتت بالنسبة للغزيين تشكل الأولوية بالنسبة لهم، بعد أن أصبحت الأهداف الوطنية الكبرى، حصرية على قيادات الفصائل السياسية الفاعلة، والسلطات المسيطرة. في غزة لم يعد الناس يتداولون الهموم الكبرى، لا ذات الصلة بـ 'الربيع العربي'، ولا بـ 'الربيع الفلسطيني'، ولا حتى بالمخططات الإسرائيلية، التي تتقدم وتجتاح الحقوق والأهداف الوطنية الواحد تلو الآخر.
حديث الساعة وكل ساعة، يدور حول أزمة الكهرباء وتوابعها ونتائجها وأزمة المعبر ونتائجها وتوابعها، وأزمة المحروقات، التي لا تزال قائمة حتى الآن.
خطير وخطير جداً، ما وصل إليه الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث أزمة الثقة تجتاح الجميع، أزمة بين 'فتح' و'حماس'، وأزمة بين الطرفين وبقية الفصائل، وأزمة أكبر بين الجمهور الفلسطيني وبين الفصائل والسلطات والقيادات السياسية، لم يعد الناس يصدقون ما يسمعون من القادة، فالواقع الذي يعيشونه يشير إليهم بأن يصدقوا ما تراه عيونهم وما تلمسه أياديهم.
الناس ليسوا مستعدين لأن يسمعوا أي شروحات أو تبريرات، أو وعود، بشأن أزماتهم المعيشية بعد أن أطاح الانقسام والصراع، بأحلامهم الكبيرة.
في كثير من الأحيان يستنكر بعض زملائنا الصحافيين العاملين في الإذاعات الوطنية المحلية في الضفة الغربية، حين نرفض الاستجابة لطلباتهم، المشاركة في بعض التعليقات والبرامج الصباحية، وربما يعتقد بعضهم أن الرفض ناجم عن غرور، أو استنكاف، أو خوف، هم لا يعلمون أن الناس في غزة يضطرون في كثير من الأحيان للسهر، حتى الثالثة صباحاً في انتظار عودة التيار الكهربائي، الذي لا يزال يخضع لعملية تقنين صعبة، فيلوذون إلى الفراش في أوقات متأخرة فلا يستطيعون النهوض مبكراً.
زملاؤنا في الضفة قد لا يعرفون، أن الإنسان قد يصحو صباحاً فلا يجد ماء في الصنابير، حيث يتعاكس توفر التيار الكهربائي مع موعد فتح المياه.
لقد تأخر وعد التيار الكهربائي، تأخر كثيراً، حتى اعتقد الناس أن كل الشعوب تعيش الحالة ذاتها من تقنين الكهرباء، وان الحياة لا تحتاج إلاّ لبضع ساعات في اليوم، بعد أن فقدوا الأمل.
لا الديزل القطري، ولا المصري الذي يأتي من فوق الأرض، ومن تحتها، ولا الديزل الإسرائيلي، أو الذي يأتي من خلال السلطة، كل ذلك لم يحل مشكلة الكهرباء، فبأي أنواع الديزل يمكن أن نستعيد مشاعرنا الإنسانية، ولماذا على المواطن أن يفكر في طرق المعالجة، أو ان يقبل بالشروحات والتبريرات؟
لا يمكن القبول باستمرار الوضع القائم، فمن يتقدم إلى مواقع المسؤولية عن الشعب، عليه أن يتحمل المسؤولية عن معالجة احتياجات الناس، خصوصاً في ضوء ارتفاع درجات الحرارة، وفي ضوء ارتباط كل جوانب الحياة بالتيار الكهربائي.
هل يعلم زملاؤنا في الضفة الغربية، أن الناس عليهم أن يوفروا في بيوتهم كل ما تيسر من أنواع وأدوات الإضاءة، وإنتاج التيار الكهربائي، من المولدات إلى الشموع والقناديل، إلى ما يعرف بالـ 'يو. بي. إس' حتى تنعم بإضاءة ومروحة، وتشغيل التلفزيون؟
أما المعبر فقصته قصة أخرى، إذ بالرغم من توسيع اطار التسهيلات من قبل الجانب المصري، بما يسمح بعبور من ألف إلى ألف وخمسمائة مسافر يومياً بدلاً من نحو سبعمائة قبل نحو ثلاثة أسابيع، نقول بالرغم من ذلك فإن الأزمة قائمة، وشديدة الوطأة على الناس.
يضاعفها فصل الصيف، الذي يشهد نشاطاً أكبر لحركة المسافرين في الاتجاهين لأسباب تتعلق بالتجارة أو الدراسة، أو العمل، أو التواصل الاجتماعي، وفوق كل هذا يترافق الصيف مع موسم العمرة، الذي يتم تخصيص يوم بكامله لها، بالإضافة إلى تسيير بعض الباصات في الأيام الأخرى. ويلاحظ أن العمرة، تأخذ طابع السياحة الدينية، حيث إن الكثير من شباب العشرينات، والثلاثينات، يُقبلون عليها بكثافة.
بسبب كل ذلك، والتدخلات الاستثنائية الواسعة في عملية السفر، الكثير من الارباك في عملية تسجيل مواعيد السفر، بحيث قد يتطلب من الإنسان أن يتردد على المعبر لثلاثة أيام متواصلة حتى يتمكن من السفر، أما التسجيل فإنه مغلق بالكامل لشهري تموز وآب، وربما الآن حتى منتصف أيلول، علينا أن نتخيل حجم الخسائر المادية التي تنجم عن عملية إرباك وتأخير السفر على أصحاب الإقامات، والعمل، وحجز مقاعد السفر على الطيران، بالإضافة إلى المعاناة النفسية. هكذا يصبح الحديث عن المسؤولية والتحمل والصبر والصمود، مجرد كلام فارغ، وكلام فارغ الادعاء بمراعاة حقوق الإنسان، والحرص على مصالح الناس، لأن الناس مصنّفون لفئات محظوظة وتعيسة، فهل يتحمل المسؤول مسؤوليته عن حق، أم سيستمر في القول من يعجبه هذا الكحل فليتكحل ومن لا يعجبه فليرحل؟! والسؤال: من الذي عليه أن يرحل.. الشعب أم المسؤول؟
_______________
ع.م